كلمات
كلمة توكل كرمان في مهرجان بادن - سويسرا بمناسبة مرور 500 عام على حوارات بادن
السيدات والسادة،
الأصدقاء الأعزاء،
يسعدني ويشرفني أن أكون اليوم هنا في سويسرا، في مدينة بادن، المدينة التي تحمل في ذاكرتها واحدة من أهم اللحظات الرمزية في تاريخ الحوار الإنساني؛ “حوار بادن” الذي جرى قبل خمسة قرون، حين اجتمع المختلفون دينيًا وفكريًا حول الكلمة بدل السلاح، وحول الاستماع بدل الكراهية.
وربما هذا ما يجعل لقاءنا اليوم أكثر أهمية.
لأن العالم، بعد خمسمائة عام، ما زال يواجه السؤال نفسه:
هل نستطيع أن نعيش مع اختلافاتنا بسلام؟
هل نستطيع أن نختار الحوار بدل العنف؟
وهل ما زال الإنسان قادرًا على حماية إنسانيته وسط كل هذا الخراب؟
نحن نعيش في زمن مضطرب.
زمن الحروب المفتوحة، والاستقطاب، وصعود الكراهية، وتراجع الديمقراطية، واتساع الفجوة بين القيم التي يتحدث عنها العالم، والواقع الذي يعيشه ملايين البشر.
من اليمن إلى غزة، ومن السودان إلى إيران، ومن أوكرانيا إلى أماكن كثيرة أخرى، نرى ليس فقط صراعات سياسية وعسكرية، بل أزمة عميقة في الضمير الإنساني نفسه.
نرى أطفالًا يُقتلون تحت الأنقاض، ومدنًا تُدمر، وشعوبًا تُهجّر، وأصواتًا تُسجن، بينما يقف العالم أحيانًا عاجزًا، وأحيانًا متواطئًا، وأحيانًا منشغلًا بحسابات المصالح أكثر من انشغاله بحياة البشر.
وفي خضم هذا كله، يطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا:
هل ما زال هناك مكان للأمل؟
وأنا أقول: نعم.
لكن الأمل الذي أتحدث عنه ليس تفاؤلًا ساذجًا، ولا هروبًا من الواقع. الأمل الحقيقي فعل مقاومة. أن تتمسك بإنسانيتك وسط القسوة، هذه مقاومة. أن تواصل الدفاع عن الحرية رغم الخوف، هذه مقاومة. أن ترفض الكراهية بينما العالم يدفعك نحوها، هذه مقاومة.
الطغاة والحروب يحاولون دائمًا قتل الأمل أولًا، لأنهم يعرفون أن الإنسان الذي يفقد إيمانه بإمكانية التغيير يصبح أكثر قابلية للاستسلام. ولذلك فإن الحفاظ على الأمل ليس رفاهية، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.
لكننا بحاجة أيضًا إلى أن نسأل أنفسنا: ما معنى السلام الذي نريده؟
هل السلام هو مجرد غياب الحرب؟
هل هو الصمت الذي يُفرض بالخوف والقمع؟
هل يمكن أن نسميه سلامًا بينما يعيش الناس بلا حرية أو كرامة أو عدالة؟
السلام الحقيقي ليس صمت البنادق فقط، بل حضور العدالة.
لا يمكن أن يكون هناك سلام دائم بينما تُسحق حقوق الإنسان، أو تُحتل الشعوب، أو يُعتقل الناس بسبب آرائهم، أو تُعامل بعض الأرواح وكأنها أقل قيمة من غيرها.
ولهذا فإن السلام الذي يُبنى على الظلم لا يدوم، لأنه ليس سلامًا حقيقيًا، بل هدنة مؤقتة فوق جرح مفتوح.
وفي عالم الخوف الذي نعيشه اليوم، تصبح الشجاعة فعلًا استثنائيًا.
لكن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل الانتصار عليه.
كل الثورات السلمية، وكل حركات التحرر، بدأت بأشخاص عاديين قرروا أن كرامتهم أهم من خوفهم. شباب خرجوا بصدور عارية أمام الرصاص. نساء واجهن السجون والتشويه والتهديد لأنهن رفضن الصمت. صحفيون ونشطاء وأمهات وآباء وأناس بسطاء اختاروا أن يقولوا “لا” في زمن كان الصمت فيه أكثر أمانًا.
وهذا ما تخشاه الأنظمة الاستبدادية حقًا: الإنسان الحر.
الطغاة لا يخافون فقط من السلاح، بل يخافون من الكلمة، ومن الوعي، ومن الذاكرة الجماعية. لأن الشعوب التي تتذكر أحلامها لا تموت، حتى لو تعثرت أو هُزمت مؤقتًا.
لكن عالمنا اليوم لا يواجه فقط خطر الحروب التقليدية، بل أيضًا خطر التكنولوجيا حين تتحول من أداة للتحرير إلى أداة للقمع.
لقد استخدمت الشعوب التكنولوجيا يومًا لكسر جدار الخوف ونقل الحقيقة إلى العالم، لكن الأنظمة الاستبدادية تعلمت سريعًا كيف تستخدمها للمراقبة والتضليل والسيطرة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية، والخوارزميات التي تتحكم بما نراه ونفكر فيه، أصبح السؤال مخيفًا: هل ما زالت الحقيقة ممكنة في عصر التلاعب الرقمي؟
ولهذا فإن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على الوعي، وعلى الحقيقة، وعلى حرية الإنسان في التفكير والتعبير.
وفي مواجهة هذا كله، أؤمن أن المقاومة السلمية ما زالت ضرورية وممكنة.
قد لا تكون الطريق الأسهل، لكنها الطريق التي تحافظ على إنسانيتنا ونحن نقاتل من أجل الحرية. لأن الهدف ليس فقط إسقاط الظلم، بل بناء عالم لا يعيد إنتاجه من جديد.
ولعل أحد أهم الدروس التي نحتاجها اليوم هو أن الحوار ليس ضعفًا، بل شجاعة.
في زمن الشعبوية والكراهية والعنصرية، يصبح الحوار فعل مقاومة ضد الانقسام. العالم لا يحتاج إلى أن يصبح متشابهًا حتى يعيش بسلام، بل يحتاج أن يتعلم كيف يحترم اختلافاته.
يمكن للاختلاف أن يكون سببًا للحروب، ويمكن أيضًا أن يكون مصدرًا للقوة والإبداع والتقدم. الحضارات العظيمة لم تُبنَ بالعزلة، بل بالتفاعل بين الثقافات والأفكار والشعوب.
ولهذا فإن الحوار بين الأديان والثقافات والشعوب ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لبقاء الإنسانية نفسها.
لكن السؤال الأعمق الذي يواجهنا اليوم هو: ماذا يعني أن نبقى إنسانيين؟
كيف نحافظ على قدرتنا على التعاطف في عالم يعتاد على صور الموت؟
كيف نحمي كرامة الإنسان في زمن القسوة؟
كيف نمنع الكراهية من ابتلاعنا؟
إن أعظم خطر يواجه العالم ليس فقط الحروب، بل أن يفقد البشر قدرتهم على رؤية بعضهم كبشر.
ولهذا فإن التعاطف ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية هائلة. ومسؤولية حماية الإنسانية لا تقع على الحكومات فقط، بل على كل واحد منا: في كلماته، وفي مواقفه، وفي طريقة تربيته لأطفاله، وفي دفاعه عن الحقيقة والعدالة.
وأعتقد أن الأمل الأكبر اليوم يكمن في الشباب.
لا يمكن إنقاذ العالم بالعقليات القديمة نفسها التي ساهمت في أزماته. العالم يحتاج إلى جيل جديد يملك الشجاعة ليحلم بشكل مختلف، ويفكر بشكل مختلف، ويبني مستقبلًا مختلفًا.
لكن التحدي الحقيقي ليس فقط في الاحتجاج، بل في صناعة البدائل.
في تحويل الألم إلى مشروع تغيير.
وفي الانتقال من مقاومة الواقع إلى بناء مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.
ورغم كل ما يحدث في العالم، ما زلت أؤمن بالإنسان.
أؤمن به لأنني رأيت شعوبًا تنهض من تحت الركام، وشبابًا يواجهون الرصاص بالحلم، وأمهات يربين أبناءهن على الحب وسط الحرب، وأطباء ينقذون الأرواح تحت القصف، وأناسًا عاديين يرفضون أن يفقدوا إنسانيتهم حتى في أحلك الظروف.
رسالتي اليوم إلى الشعوب التي تقاوم في كل مكان:
لا تسمحوا لليأس أن ينتصر عليكم.
قد تتأخر الحرية، لكنها لا تموت.
وقد يبدو الظلام طويلًا، لكن التاريخ لا يبقى للأقوى، بل لمن يواصلون النضال من أجل الكرامة والعدالة والإنسانية.
العالم لا يحتاج إلى مزيد من الهيمنة، بل إلى مزيد من العدالة.
لا يحتاج إلى مزيد من الخوف، بل إلى شجاعة أخلاقية تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان.
وربما هذا هو المعنى الحقيقي للأمل:
أن نواصل الدفاع عن الإنسان، حتى حين يبدو العالم أقل سلاما وأمنا وعدالة وإنصاف .
لأن المستقبل… سيكون دائمًا لمن لا يستسلم.
شكرًا لكم.

