كلمات
كلمة بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثون لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية
أيها الشعب اليمني العظيم، في الداخل والخارج،
أيها الأحرار والمرابطون على امتداد ترابنا الوطني الطاهر،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نقف اليوم بإجلال وإكبار أمام مناسبة وطنية عظيمة في تاريخ بلادنا وأمتنا اليمنية العظيمة، ونحن نحيي الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في الثاني والعشرين من مايو 1990.
إن الاحتفاء بهذا اليوم المجيد هو احتفاء بتاريخ الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة، وتتويج لنضالات وتضحيات آبائنا وأجدادنا في شمال الوطن وجنوبه طوال عقود التشطير؛ أولئك الذين أدركوا مبكراً أن هوية اليمني لا تقبل التجزئة، وأن مصيرنا ومصير بلادنا مصير واحد.
لقد كانت الوحدة اليمنية المشروع الوطني الأكبر والأنقى في تاريخنا الحديث، والتي لا يمكن بدونها التطلع لتنمية حقيقية، أو لاستقرار سياسي دائم، أو نهوض حضاري يليق بشعب كريم مثل شعبنا اليمني العظيم. إن الوحدة اليمنية جوهر السيادة التي لا تخضع للمساومة، ولا تتأثر بحركة المد والجزر، أو بأمواج الصراعات العابرة والحروب بالوكالة التي تحركها أجندات خارجية غريبة عن تراب هذا الوطن ولا يعنيها مصالح شعبنا، ومعاناته، ومستقبله، ومصيره.
لقد تجسدت في الثاني والعشرين من مايو الإرادة الوطنية الحرة، نابعة من تراب الارض اليمنية وإرادة الإنسان اليمني، بعيداً عن أي إملاءات خارجية. لقد كان قراراً يمنياً خالصاً، استفتي عليه الشعب وأيده بأغلبية ساحقة، ليؤكد للعالم أن الوحدة لم تكن خياراً سياسياً للنخب والحكام، بل كانت وما زالت نبض الشارع والغاية الأسمى للأمة اليمنية
أيها الإخوة والأخوات، أيها المواطنون الأحرار
في ذكرى الوحدة، يجب أن نمتلك الشجاعة لنعترف بالسياسات الخاطئة التي تم انتهاجها بعد الوحدة اليمنية، وبعد صيف عام 1994 بوجه خاص، والتي تضرر منها قطاعات كبيرة من المواطنين، خصوصا أبناء المحافظات الجنوبية الذين فقدوا دعم الدولة دون أن يُعطوا بدائل مناسبة وعادلة. إن الاعتراف بتلك الأخطاء، يمنع تكرارها. إن تمسكنا بوحدة بلادنا لا يعني بأي حال من الاحوال الموافقة على إعادة إنتاج الهيمنة المركزية الاستبدادية التي سمحت بالإقصاء والتهميش لكثير من المكونات اليمنية. ما نريده هو دولة اتحادية تضمن المواطنة والعدالة للجميع. هذا ما ندافع عنه، لا مجال للظلم، ولا سبيل للهيمنة.
لا يجادل أحد أن السنوات العشر العجاف الماضية تجربة سوداء ومريرة هدفت لتمزيق النسيج الاجتماعي؛ فترة صعدت فيها ميليشيات طائفية في شمال الوطن، وأخرى انفصالية في جنوبه، أظهرت فيها تلك الجماعات همجية وأنانية مفرطتين، حيث قامت بتفصيل الوطن وفق أهوائها واطماعها.
إن وجود هذه الكيانات خارج إطار الدولة يمثل حرباً مستمرة ضد حاضر اليمن ومستقبله، حرباً تتغذى على الجبايات الجائرة، والنهب المنظم، والتنكيل بسكان المدن والأرياف، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان اليمني وتهدر حقه في الحياة والعيش الكريم في أرضه وبلده. لقد تمت ملشنة البلاد، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يهدد المستقبل تهديدا فعليا
وإننا إذ ننظر اليوم إلى ما آلت إليه الأوضاع، يتضح للجميع -وبما لا يدع مجالاً للشك- أن البديل للوطن الموحد والدولة اليمنية الموحدة ليس إلا ما نعيشه ونراه اليوم: حروب بالوكالة، وصعود لمصاصي دماء الشعب وتجار الحروب والمرتزقة. البديل هو إحياء الأوهام الإمامية البائدة، والمشاريع الاستعمارية الجديدة، وسيطرة الجماعات المسلحة اللاوطنية التي تعمل كأدوات للخارج.
إن المعاناة والأزمة المعيشية بعد عشر سنوات أصبحت اليوم واقع يومي مؤلم يتجرعه المواطن اليمني في مناطق الصراع والنفوذ المتعددة.
لقد تخلت ميليشيا الحوثي عن واجباتها في مناطق سيطرتها. وكذلك فشلت حكومات الشرعية في إداء مهامها في عدن والمحافظات المحسوبة تحت سيطرتها.
والنتيجة هي غياب ابسط مقومات الحياة؛ فالكهرباء غائبة أو مقطوعة في قيظ الصيف في المناطق شديدة الحرارة في الحديدة وعدن، والغاز المنزلي أصبح وسيلة للاحتكار والابتزاز، ورواتب الموظفين صادرتها الجماعات المتصارعة.
وبموازاة ذلك، تشهد بلادنا اضطرابات أمنية لا تتوقف، وغياباً تاماً للاستقرار، واتساعاً مرعباً لرقعة الفقر والجوع التي طالت الملايين بعد عقد من الحرب والأزمات المعيشية الطاحنة.
إن استمرار هذه المأساة التي يعيشها شعبنا في كل اليمن لم يعد كافيا النظر إليها وتفسيرها بانها مجرد عجز سياسي، ولكنها للأسف أصبحت مصلحة وجودية لفئة من تجار الحروب ومن يرتبط بهم، نمت وترعرعت في أتون هذه الحرب. لقد تشكلت على حساب جوعكم وآلامكم شبكات نفوذ من أمراء الحرب والمستفيدين من غياب الدولة في الشمال والجنوب على حد سواء.
هؤلاء الذين يسيطرون على الأسواق السوداء، وتهريب الوقود، وغسيل الأموال، والجبايات والإتاوات واحتكار العملة والسيطرة على الحركة التجارية واحتكار السلع وموارد الدولة، يدركون أن قيام دولة القانون يعني نهايتهم؛ ولذلك يستميتون لإبقاء اليمن في حالة الفوضى والصراعات.. حالة "اللاحرب واللاسلم" ليواصلوا نهب ثروات الشعب وقوته اليومي.
إن محاربة اقتصادات الحرب وتفكيك هذه الشبكات الفاسدة هي الخطوة الأولى والضرورية نحو استعادة قرارنا الوطني وتحقيق السلام.
إن الشعب اليمني لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الصراعات العبثية، وهو اليوم يتطلع أكثر من أي وقت مضى- إلى مصالحة وطنية شاملة، وتسوية سياسية عادلة تنهي الحرب، وتستعيد الدولة اليمنية بمؤسساتها وهيبتها، على أساس الشراكة الوطنية الحقيقية والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
وفي هذا السياق، فإننا نرى في إنجاز اتفاقات تبادل الأسرى خطوة إنسانية وسياسية هامة لبناء الثقة، ونأمل بصدق أن تتبعها خطوات عملية عاجلة، تلامس حياة المواطن اليومية، وفي مقدمتها فتح جميع الطرقات والمنافذ بين المدن لإنهاء حصار المدن وتسهيل حركة المواطنين والبضائع، ورفع نقاط الجبايات والإتاوات غير القانونية التي تبتز التجار وتثقل كاهل المواطن بارتفاع الأسعار.
كما نطالب بصرف مرتبات الموظفين في عموم اليمن دون استثناء، وتوحيد السياسة النقدية والعملة الوطنية لإنهاء الانقسام المصرفي، وتوحيد الوثائق الشخصية كالبطاقة الشخصية والجواز لضمان حق المواطنة والتنقل بحرية. ونطالب كذلك باستئناف رحلات الطيران بين مختلف المدن اليمنية، ورفع الحصار والعقوبات عن مطار صنعاء والموانئ اليمنية، كون المتضرر الوحيد من هذه الإجراءات هو الشعب اليمني. كما نرحب ونشجع استئناف المسابقات والأنشطة الرياضية الشاملة باعتبار الرياضة مساحة للمحبة والسلام، وجسراً يربط شباب اليمن من المهرة إلى صعدة.
وبهذه المناسبة الوطنية العظيمة،
نؤكد مرة أخرى أن عمقنا العربي يظل هو السند الذي نتطلع لحضوره؛ وعلى وجه الخصوص الدور المحوري للأشقاء في المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، وجمهورية مصر العربية، وأننا ننتظر منهم تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والدبلوماسي لليمن ودولته الشرعية والشعب اليمني لإحباط مشاريع التقسيم والتمزيق، وتعزيز نضالات شعبنا الساعية إلى استعادة الدولة الوطنية. لقد أثبتت الأحداث المتلاحقة أن مشاريع تفتيت اليمن لا تشكل خطراً على اليمنيين وحدهم، بل تقوض الأمن القومي الخليجي والعربي بشكل مباشر
اننا -ومن منطلق الشراكة الحقة والمصير الواحد- ندعو الأشقاء في المملكة إلى تكثيف جهودهم ومساندتهم الفاعلة للسلطة الشرعية، لتمكينها من إنهاء مظاهر الانفلات الأمني والفوضى في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة
إن استقرار هذه المناطق ودعم مؤسسات الدولة الرسمية فيها والحفاظ على الوحدة اليمنية، هو اللبنة الأولى لاستعادة كامل التراب الوطني وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار للمنطقة، خصوصاً وأن اليمن اليوم يمر بمرحلة هي الأخطر في تاريخه الحديث؛ فالقرار لم يعد محصوراً في أروقة السياسة المحلية أو الإقليمية، بل إن المغامرات الطائشة للميليشيات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب، ومحاولات إسرائيل السيطرة على السواحل والجزر اليمنية بطريقة غير مباشرة عبر وكلاءها في الإقليم.
إن عسكرة الممرات المائية اليمنية واستدعاء البوارج والقوى الغربية إلى مياهنا الإقليمية يمثل استباحة صارخة للسيادة اليمنية، وتحويل اليمن إلى ورقة ضغط وتفاوض في ملفات صراعات دولية كبرى لا ناقة لشعبنا فيها ولا جمل
ولذلك نقول أن ارتباط الأمن العالمي بالوضع في البحر الأحمر وباب المندب والسواحل والجزر اليمنية، يجعل من استعادة الدولة اليمنية الموحدة لسيادتها على كامل ترابها ومياهها ضرورة قصوى لحفظ الأمن والسلم الدوليين، وليس فقط لحماية اليمنيين.
إننا بهذه المناسبة الوطنية الغالية على قلوبنا، نوجه دعوة صادقة إلى كافة القوى السياسية والحزبية والاجتماعية، إلى مغادرة أساليب المناكفات وصراعات الماضي، والالتفاف حول قاسم مشترك واحد هو "اليمن الكبير". إن إنقاذ الوطن يتطلب تنازلات متبادلة وشجاعة سياسية تضع مصلحة اليمنيين الذين يتحملون مآسي الحرب والإفقار والتجويع فوق كل المصالح الحزبية والاعتبارات المناطقية الجهوية.
ليدرك الجميع أن استمرار الفوضى لن تضمن لأحد البقاء أيا كانت قوته ونفوذه، الدولة ضمانة للجميع.
في هذا السياق، علينا الوقوف بحزم ضد المخططات السوداء وعلى رأسها الاغتيالات السياسية وتحويل جزء من الأمن أو الجيش لقتلة مأجورين، لأن تجاهل أهداف تلك الاغتيالات يؤسس لمرحلة أكثر قتامة ودموية. من هنا، ينبغي إجراء تحقيقات ومحاكمات عادلة وحقيقية، تكشف الممولين والمحرضين والمستفيدين وليس فقط المنفذين لأن هؤلاء مجرد أدوات سيتم تعويضهم وتستمر الجريمة. لنملك الجدية اللازمة لكشف ووقف السيناريوهات الشيطانية التي تحاك ضد بلادنا. هذا من صميم السياسة وصميم المسؤولية الوطنية.
ختاماً،
أقول لكم بثقة مطلقة وإيمان لا يتزعزع بأرضنا وشعبنا، إن الوحدة اليمنية وجدت لتبقى،
ستبقى اليمن برغم المؤامرات والانتكاسات، وسيبقى كيانها الوطني، الجمهورية اليمنية، شعلة مضيئة في تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، وستظل الدولة الوطنية العادلة، دولة القانون والمواطنة هي الملاذ الآمن لكل أبناء اليمن.
عاش اليمن حراً، مستقلاً، موحداً، ومستقراً،
الرحمة للشهداء الأبرار، الشفاء للجرحى، والحرية للأسرى والمعتقلين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

