اخبار المنظمة
صحفيات بلا قيود: استشهاد مسعف فلسطيني في سجون الاحتلال يكشف نمطاً ممنهجاً لقتل المعتقلين
قالت منظمة «صحفيات بلا قيود» إن الإعلان عن استشهاد مسعف فلسطيني، في أحد سجون الاحتلال الإسرائيلي، يأتي في سياق نمط ممنهج من الجرائم التي تطال الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين. وأكدت المنظمة بأن الأوضاع التي يعيشها قرابة 10 آلاف معتقل فلسطيني، يتطلب التدخل العاجل لإنقاذهم.
والخميس الماضي، قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، أن الهيئة العامة للشؤون المدنية أبلغتهما عن استشهاد حاتم إسماعيل ريان (59 عاماً)، داخل سجن النقب، في ظل تقارير عن أوضاع قاسية يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون.
وأدانت «صحفيات بلا قيود» بأشد العبارات مقتل ضابط الإسعاف الفلسطيني حاتم ريان، وأشارت بأن هذه الجريمة تندرج ضمن سياسة أوسع تحقق هدف الإبادة الجماعية المتمثل بتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين.
وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي، قد اعتقلت حاتم ريان في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024 من داخل مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، خلال فترة حصار مشدد رافقته حملة اعتقالات واسعة طالت الطواقم الطبية، بينهم نجله المصاب.
واعتبرت صحفيات بلا قيود، أن استهداف العاملين في المجال الصحي يشكل جزءًا من سياسة أوسع لإنهاء المنظومة الصحية، وحرمان مئات الآلاف من المدنيين من الخدمات الطبية الأساسية والمساهمة في انتشار الأوبئة وارتفاع معدلات الوفاة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يكفل للمدنيين الحق في العلاج، كما يوفر الحماية اللازمة للطواقم والمنشآت الصحية أثناء الحروب.
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، قتلت إسرائيل، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 72,045 فلسطينيًا ممن وصلت جثامينهم إلى المستشفيات وتم توثيقهم حتى 11 فبراير/شباط الجاري، فيما بلغ عدد المصابين 171,686، معظمهم من الأطفال والنساء، مع بقاء أعداد كبيرة تحت الأنقاض.
وخلال الفترة ذاتها، قتلت إسرائيل، نحو 1,701 من الكوادر الطبية في قطاع غزة، بينهم 320 طبيبًا واستشاريًا من أصحاب التخصصات النادرة، كما ارتكبت جرائم غير مسبوقة بحق عدد من المسعفين، كما سُجلت 788 هجومًا مباشرًا على المنظومة الصحية، أسفرت عن تدمير 103 مراكز رعاية أولية و197 سيارة إسعاف، وإخراج 25 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة كليًا أو جزئيًا.
رموز طبية
وتحتجز سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ما لا يقل عن 362 فلسطيناً من الطواقم الصحية التي كانت تعمل في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، استحضرت «صحفيات بلا قيود» الدكتور الفلسطيني حسام أبو صفية، طبيب الأطفال ومدير مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا، الذي برز كأحد أبرز الأصوات الناقلة لواقع الانهيار الصحي في شمال غزة خلال الحصار وأعمال الإبادة المريعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي.
ورغم توفر فرص للمغادرة، اختار أبو صفية البقاء داخل المستشفى مع أسرته، حيث عمل على زيادة السعة السريرية، وتنظيم غرف التغذية العلاجية، وتزويد الجهات الإنسانية بمعلومات ميدانية عن النواقص الحيوية. وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 2024 استُشهد نجله إبراهيم بقصف استهدف محيط المستشفى، وأصيب هو لاحقًا، لكنه واصل أداء واجبه الطبي، وأدى صلاة الجنازة على ابنه وسط استمرار القصف.
في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024 اقتحمت القوات الإسرائيلية المستشفى وأجبرت الطواقم والمرضى على الإخلاء، واعتقلت الدكتور أبو صفية، الذي نُقل لاحقًا بين مراكز احتجاز عدة وبقي محتجزًا دون توجيه تهمة.
لاحقاً، أفادت تقارير حقوقية، إضافة إلى المحامية غيد قاسم التي تمكنت من زيارته، إلى تعرض الدكتور أبو صفية لسوء المعاملة والضرب الوحشي والتجويع والإهمال الطبي، مع تدهور خطير في حالته الصحية وفقدانه وزنًا كبيرًا، واحتجازه في زنزانة تحت الأرض، محروم من أشعة الشمس.
كما لفتت المنظمة إلى جريمة اختطاف الدكتور مروان الهمص، مدير المستشفيات الميدانية والمتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، في 21 يوليو/تموز، أثناء إجرائه مقابلة صحفية في منطقة المواصي غرب خانيونس، بعد إطلاق النار على سيارة إسعاف أسفر عن مقتل الصحفي تامر ربحي الزعانين وإصابة آخرين، قبل أن تُقدم القوة المنفذة على اختطافه.
قتل المعتقلين
ومنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية في غزة، بلغ عدد القتلى في السجون الإسرائيلية 100 معتقل فلسطيني، أُعلن عن هويات 88 منهم، بينهم 52 من أبناء غزة، وهو العدد الذي تمكنت المنظمات الحقوقية من توثيقه بعد ضغوطات ومطالبات دولية، في حين لا يزال مئات الفلسطينيين رهن الإخفاء القسري، وسط رفض السلطات الإسرائيلية الكشف عن مصيرهم.
وأشارت صحفيات بلا قيود، بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي، تحتجز قرابة 10 آلاف فلسطيني في ظروف قاسية، حيث تشكل الانتهاكات المفضية إلى الموت جزءًا من سياسة الإبادة التي تمارسها سلطات الاحتلال. وتشمل تلك السياسية: التجويع والإهمال الطبي والاعتداءات الجسدية، وغيرها من الممارسات التي تمس كرامة الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسراً، علاوة على أساليب التعذيب المميتة، أو المؤدية إلى إعاقات وأمراض مزمنة بين الأسرى.
ولا يزال العديد من شهداء معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري، إلى جانب العشرات ممن جرى إعدامهم ميدانيًا، إذ شكّلت صور جثامين الأسرى التي سُلّمت بعد وقف إطلاق النار دليلًا قاطعًا على عمليات الإعدام المنهجية التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق الأسرى والمعتقلين.
وأكدت صحفيات بلا قيود بأن الأوضاع التي يعيشها المعتقلون الفلسطينيون يستدعي التدخل العاجل لإنقاذهم.
اعتقال القتلى
منذ دخول اتفاق إنهاء الحرب وفق الرؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تسلّمت وزارة الصحة في غزة قرابة400 جثمان من الفلسطينيين الذين احتفظت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بجثثهم خلال الحرب.
وأشارت صحفيات بلا قيود، بأن سلطات الاحتلال الاسرائيلي تتعامل مع الجثامين، وفق اجراء شكلي بأنها اعتقلت جثث القتلى من مسرح المجازر، وهي سردية تلفيقية كما تكشف الآثار المبينة على جثامين الضحايا علاوة على ما تكشفه تقارير الطب الشرعي.
وأفادت «صحفيات بلا قيود» أن تقارير الطب الشرعي والمعاينات الأولية أظهرت آثار تقييد بالأيدي والأقدام، وتعصيب للأعين، وإطلاق نار من مسافة قريبة، إلى جانب حروق وآثار تعذيب، فيما تعذر التعرف على عدد كبير من الجثامين بسبب التحلل والتشويه الواسع، وشبهات سرقة أعضاء من بعض الجثامين.
وفي 4 شباط/فبراير الجاري، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، عن وصول 54 جثماناً لشهداء، و 66 صندوقاً تضم أشلاء وأعضاء بشرية، تم الإفراج عنهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بواسطة منظمة الصليب الأحمر .
ووارى أهالي قطاع غزة، الجمعة 13 فبراير الجاري، دفعة جديدة من جثامين شهداء مجهولي الهوية، في مقبرة خصصت للشهداء المجهولين جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع، ولم تكن الجثامين سوى بقايا بشرية متناثرة داخل أكياس وصناديق مغلقة بعضها أعضاء بشرية متفرقة، بينها جماجم وعظام وأقدام فقط.، ما حال دون التعرف إلى أصحابها أو تحديد عددهم الفعلي بدقة.
الإطار القانوني
وأكدت «صحفيات بلا قيود» أن ما يتعرض له الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون، بمن فيهم العاملون في القطاع الصحي، يشكل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ولا سيما الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية، وتُلزم قوة الاحتلال بضمان سلامة المحتجزين وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم.
وأشارت المنظمة أن استهداف الطواقم والمنشآت الصحية يتعارض صراحة مع القواعد الآمرة التي تكفل حماية العاملين في المجال الطبي أثناء النزاعات المسلحة.
وشددت صحفيات بلا قيود، على أن الحرمان المتعمد من العلاج، والتجويع، والاعتداءات الجسدية، والإخفاء القسري، والاحتجاز دون محاكمة عادلة، تمثل انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما أن احتجاز الجثامين والتلاعب بها أو الامتناع عن تسليمها بصورة تحترم كرامة الموتى وحقوق ذويهم، يشكل انتهاكًا للكرامة الإنسانية، وضمان حق العائلات في معرفة مصير أبنائها.
بناءً على ذلك، تدعو «صحفيات بلا قيود» إلى فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في جميع حالات الوفاة داخل السجون الإسرائيلية، وفي الانتهاكات المرتكبة بحق الطواقم الطبية والأسرى والمعتقلين، وضمان مساءلة المسؤولين عنها وعدم إفلاتهم من العقاب. كما تطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، وفي مقدمتهم الكوادر الصحية، وضمان تمكينهم من التواصل مع محاميهم وذويهم، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة لهم تحت إشراف جهات دولية مستقلة.
وتدعو المنظمة المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والآليات الأممية المختصة، إلى التحرك العاجل لتوفير الحماية اللازمة للمدنيين في قطاع غزة، والضغط لوقف استهداف المنظومة الصحية، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. كما تشدد على ضرورة تسليم جميع الجثامين المحتجزة دون قيد أو شرط، وتمكين الجهات المختصة من إجراء فحوصات مهنية مستقلة تحفظ كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم في الحقيقة والعدالة.

