اخبار المنظمة
"صحفيات بلا قيود": نقل معتقلي "مخيمات سوريا" إلى العراق يهدد بآلاف الإعدامات التعسفية
تعرب منظمة "صحفيات بلا قيود" عن قلقها البالغ والعميق إزاء إعلان السلطات العراقية، مطلع هذا الأسبوع، البدء في تسلّم ومحاكمة دفعات من المعتقلين المتهمين بالانتماء لتنظيم "داعش" والمنقولين من سجون ومعسكرات شمال شرق سوريا (مخيم الهول وسجن الحسكة).
وتشير التقارير الموثقة إلى أن الدفعة الأولى التي ضمت 275 سجيناً قد نُقلت بالفعل إلى مراكز احتجاز عراقية لتخضع للتحقيق من قبل قوات الأمن. وتأتي هذه الخطوة في سياق مخطط أعلن عنه الجيش الأمريكي يقضي بنقل ما يصل إلى 7000 معتقل من سوريا إلى منشآت تسيطر عليها بغداد، وهو ما يعد مقامرة كبرى بحقوق الإنسان في ظل نظام قضائي يفتقر لأدنى معايير النزاهة.
وأعلن المجلس الأعلى للقضاء العراقي في بيان له ولايته القضائية الكاملة على المنقولين بغض النظر عن جنسياتهم، وإخضاعهم للتحقيق والمحاكمة محلياً. وقال إنهم سيخضعون "للإجراءات القانونية" ثم يُودعون في "المؤسسات المختصة". وأضاف البيان: "جميع المشتبه بهم، بغض النظر عن جنسياتهم أو رتبهم داخل التنظيم الإرهابي، يخضعون حصراً لسلطة القضاء العراقي، وسيتم تطبيق إجراءاتنا القضائية عليهم جميعاً دون استثناء".
توصيف قانوني: انتهاك مبدأ "عدم الرد القسري"
تؤكد منظمة صحفيات بلا قيود أن نقل آلاف المحتجزين إلى نظام قضائي وأمني عراقي عُرف باعتماده الممنهج على "الاعترافات" المنتزعة تحت التعذيب، وفي ظل غياب تام لضمانات المحاكمة العادلة، يمثل مقامرة بحياة هؤلاء ويدفع بهم إلى "ثقوب سوداء" لا تلتزم بأدنى المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وفي هذا الصدد قالت السيدة توكل كرمان رئيسة منظمة صحفيات بلاقيود والحائزة على جائزة نوبل للسلام (2011) إن "نقل المحتجزين إلى العراق يضعهم تحت ولاية قضائية وثقت فيها هيئات الأمم المتحدة (مثل UNAMI) والمنظمات الدولية أنماطاً متكررة من المحاكمات الموجزة التي تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة يمثل انتهاكاً محتملاً للمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب، نظراً للسجل الموثق في العراق بشأن استخراج الاعترافات تحت الإكراه البدني والنفسي".
يأتي هذا النقل في توقيت شديد الحساسية، عقب انهيار الاتفاق الأمني المبرم في 18 يناير 2026 بين السلطات السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما تبعه من عودة العمليات القتالية والنزوح الجماعي. وترى المنظمة أن محاولة "تفريغ" المخيمات باتجاه العراق في هذا التوقيت ليست إلا محاولة لتصدير الأزمة إلى بيئة قضائية تعمل كأداة "للتنكيل السياسي والطائفي".
حقائق من واقع التوثيق: "المجازر الصامتة"
إن النظام القضائي العراقي، في تعامله مع قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم (13) لسنة 2005، يفتقر إلى التحديد الموضوعي للأفعال الإجرامية، مما يجعله أداة للتنكيل السياسي والطائفي.
تُذكّر "صحفيات بلا قيود" بالحقائق المروعة التي كشف عنها تقريرها السابق "مجازر صامتة.. سجناء العراق بين جدران الموت والإعدامات الطائفية"، والتي تضفي طابعاً كارثياً على عملية النقل الحالية:
- اعتماد المحاكم بشكل روتيني على اعترافات "مصبوغة بالدم" انتزعت تحت الصعق الكهربائي والضرب المبرح، ودون وجود أدلة ملموسة، متمسكة بمبدأ "الاعتراف سيد الأدلة" مع رفض القضاة المتكرر للنظر في مزاعم التعذيب التي يثيرها المتهمون أو محاموهم.
- إصدار أحكام إعدام جماعية في محاكمات موجزة لا تتجاوز الساعة الواحدة، تستند أحياناً إلى تقارير "المخبر السري" أو مجرد القرب الجغرافي من أنشطة المسلحين.
- تسجيل طفرة مروعة في الإعدامات السرية؛ حيث أُعدم ما لا يقل عن 145 عراقياً بين ديسمبر/كانون الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، مع بقاء أكثر من 8000 محكوم على ذمة الإعدام في ظروف نفسية وجسدية قاسية، وهذا العدد من بين 20000 شخص حكم عليهم بالإعدام والسجن المؤبد بسبب تشريع فضفاض يفتقر للتحييد القانوني الموضوعي، مما سمح بتوسيع دائرة الاتهام لتشمل أشخاصاً بناءً على روابط عائلية أو جغرافية أو انتماءات طائفية.
- أحكام الإعدام والمدد الطويلة في السجون عقوبات تعسفية لا تنصف الضحايا بقدر ما تخدم أجندات الانتقام السياسي والطائفي.
- تعاني المحاكمات في العراق من قصور في تمكين المتهمين من الوصول إلى تمثيل قانوني فعال، وغالباً ما تُعقد الجلسات دون حضور محامين من اختيار المتهمين، مما يقوض "مبدأ الشرعية" وضمانات المادة 14 من العهد الدولي. كما أن محاكمة أجانب في العراق عن جرائم ارتُكبت في سوريا تثير تعقيدات قانونية حول الاختصاص القضائي الإقليمي ومدى توفر الأدلة وشهود النفي.
- نقل هؤلاء المعتقلين إلى سجون تعاني من اكتظاظ خانق يصل إلى 300% من طاقتها الاستيعابية، هو حكم بالموت البطيء قبل الوصول إلى منصة الإعدام. هذه الزنازين التي تفتقر لأدنى المقومات البشرية تحولت إلى بؤر للأوبئة ومسارح للتنكيل الممنهج.
وقالت السيدة كرمان: يواجه المنقولون خطراً داهماً بالإعدام بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005. إن إدانتهم بناءً على اعترافات منتزعة بالتعذيب تجعل من تنفيذ عقوبة الإعدام حرماناً تعسفياً من الحياة ينتهك المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل الحق في الحياة، والمواد (7، 9، 10، 14) التي تحظر التعذيب وتضمن الحق في المحاكمة العادلة.
بناءً على ما تقدم، تطالب منظمة "صحفيات بلا قيود" بما يلي:
- الوقف الفوري لنقل أي دفعات إضافية من المعتقلين من سوريا إلى العراق ما لم تتوفر رقابة دولية صارمة وضمانات قانونية تحول دون تعرضهم للتعذيب أو الإعدام التعسفي، أو المحاكمات التي تفتقر إلى عدالة.
- إعلان وقف اختياري لتنفيذ عقوبة الإعدام فوراً، والشروع في مراجعة شاملة لجميع الأحكام الصادرة بناءً على وشايات المخبر السري أو الاعترافات القسرية.
- نطالب الأمم المتحدة بالتدخل الفوري لفرض رقابة دولية على مراكز الاحتجاز العراقية، وضمان عدم تحويل هذه الصفقة إلى فصل جديد من فصول الإبادة القانونية في العراق.
- السماح الفوري للمنظمات الحقوقية الدولية والمستقلة بزيارة سجون الناصرية، والتاجي، ومطار المثنى للوقوف على أوضاع المحتجزين والتحقيق في تقارير التعذيب الممنهج.
- تعديل قانون مكافحة الإرهاب وقانون العقوبات العراقي لضمان حصر عقوبة الإعدام في "أشد الجرائم خطورة" وفقاً للمعاير الدولية، ومنع استخدامه كأداة للتطهير المذهبي.
وقالت صحفيات بلاقيود إن: محاربة الإرهاب لا تتم عبر ممارسة إرهاب الدولة ضد المعتقلين. إن العدالة الحقيقية تقتضي محاكمات علنية شفافة، وضمانات قانونية حقيقية، ووقفاً فورياً لآلة الإعدام الجماعية. إن الصمت الدولي تجاه ما يحدث في السجون العراقية يمنح السلطات "شيكاً على بياض" للاستمرار في مجازرها الصامتة.
وتؤكد المنظمة أنها ستواصل ملاحقة المتورطين في هذه الجرائم أمام المحافل الدولية لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
خلفية
منذ رحيل النظام السوري السابق أواخر 2024، ظلت خارطة النفوذ في الشمال الشرقي تحت سيطرة "قسد". ومع نهاية 2025، بدأت شرارة الصدام مع السلطات السورية الجديدة في حلب، مخلفةً ضحايا مدنيين. وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدر الرئيس أحمد الشرع تشريعات تدعم الحقوق الكردية وأبرم اتفاقاً شاملاً مع مظلوم عبدي في 18 يناير/كانون الثاني 2026.
واعتبر ملف مراكز الاحتجاز والمخيمات (مثل مخيم الهول وغيره) التي تضم آلاف المتهمين بالانتماء لتنظيم الدولة الإسلامية وعائلاتهم، أحد أكثر البنود أهمية في الاتفاق.
وكان من المتوقع أن يؤدي هذا التكامل الأمني إلى تخفيف الأعباء اللوجستية والأمنية عن "قسد"، مقابل ضمان الدولة السورية لرقابة أمنية مشددة تمنع أي محاولات لفرار العناصر المتطرفة، إلا أن هذا المسار الدبلوماسي لم يدم أكثر من 24 ساعة، حيث انهار الاتفاق لتعود العمليات القتالية التي تسببت في نزوح 11 ألف شخص، قبل أن يتم التوصل لهدنة مؤقتة لمدة 4 أيام في 20 يناير/كانون الثاني. وبانهيار الاتفاق عاد الغموض حول مصير هذه المرافق والمخاطر الأمنية المرتبطة بها.

