اخبار المنظمة
اليمن: تصعيد خطير وممنهج لانتهاكات مليشيا الحوثي بحق المدنيين في محافظة البيضاء منذ مطلع العام
قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن محافظة البيضاء وسط البلاد تشهد منذ مطلع عام 2026 تصعيداً خطيراً ومنظماً في وتيرة الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين من قبل مليشيا الحوثي، في امتداد مباشر لنهج قمعي ترسخ خلال السنوات الماضية، ولا سيما خلال عام 2025 الذي اتسم بارتكاب جرائم جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في عدد من مديريات المحافظة.
وأوضحت المنظمة في بيان موسع أن فريقها الميداني رصد ووثق نحو (102) انتهاكاً خلال الفترة من 1 يناير حتى 20 فبراير 2026، تنوعت بين القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب المفضي إلى الوفاة أو الإعاقة الدائمة، واحتجاز الجثامين، والاختطاف والإخفاء القسري، وفرض الحصار والعقاب الجماعي، ونهب وتدمير الممتلكات.
وأكدت المنظمة أن تكرار هذه الأنماط واتساع نطاقها وحجمها خلال فترة زمنية وجيزة يعكس تصعيداً ممنهجاً وخطيراً، ويؤشر إلى اتساق واضح في استهداف المدنيين وحقوقهم الأساسية، مشددة على أن هذه الانتهاكات لا يمكن توصيفها كوقائع متفرقة أو معزولة، بل تمثل سياسة ثابتة ومعتمدة تنفذها مليشيا الحوثي بهدف إخضاع المجتمعات المحلية بالقوة، من خلال الاستخدام المتعمد والمفرط للأدوات العسكرية ووسائل الترهيب الجماعي.
وبينت المنظمة أن الوقائع المرصودة والموثقة توزعت على النحو الآتي: مقتل وإصابة (5) مدنيين، وحالة تعذيب أفضت إلى الوفاة، وأخرى أفضت إلى إعاقة دائمة، واختطاف وإخفاء قسري (30) مدنياً، واحتجاز (7) جثامين. كما شملت اقتحام (17) منزل، و(12) واقعة نهب لممتلكات خاصة، وتدمير (22) ممتلكة مدنية، إلى جانب تنفيذ (3) هجمات عسكرية واسعة وفرض (4) حالات حصار وعقاب جماعي.
أولاً: القتل خارج نطاق القانون – استهداف مباشر ومتعمد للحق في الحياة
أكدت المنظمة أن جرائم القتل خارج اطار القانون تتصدر قائمة الانتهاكات الموثقة، وتشكل أخطر أشكال الاعتداء على الحق في الحياة، بما يعكس استخفافاً صارخاً بحياة المدنيين واستخداماً متعمداً للقوة المميتة خارج أي إطار قانوني أو ضمانات قضائية.
- في 11 يناير 2026، قتل المواطن زبن الله مقبل المسعودي إثر إطلاق نار مباشر من عناصر تابعة للمليشيا أثناء مروره على دراجته النارية في قرية القبل بمنطقة حنكة آل مسعود بمديرية القريشية.
- وفي مطلع فبراير، قتل الموظف في مكتب النقل بمدينة رداع محمد رزق برصاص مسلحين أثناء تأدية عمله في نقطة بني زياد، وسط غياب أي إعلان رسمي شفاف حول ملابسات الجريمة أو نتائج التحقيقات، بما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.
- وخلال 14–15 فبراير 2026، قتل الشاب عبدالله حسن الحليمي في حي الحفرة بمدينة رداع أثناء ملاحقة حملة عسكرية لشبان دعوا إلى وقفة احتجاجية سلمية للمطالبة بتحقيق العدالة في جريمة مقتل والده الحاج حسن علي الحليمي، والإفراج عن مختطفين. ويأتي مقتله بعد أشهر من مقتل والده في يوليو 2025 برصاص قناص تابع للمليشيا أمام منزله خلال هجوم واسع طال المدنيين في الحي، في نمط متكرر من استخدام القوة القاتلة ضد المدنيين. كما أُصيب الشاب عبدالله الزيلعي وآخر بإصابات بالغة ونقلا إلى ذمار، ولا يزال مصيرهما غير معلوم.
ثانياً: التعذيب الممنهج والاختطافات الجماعية – سياسة قمع منظمة
أكدت منظمة “صحفيات بلاقيود” أن مليشيا الحوثي تواصل استخدام سياسة الاختطافات والإخفاء القسري الممنهج كأداة رئيسية لإخضاع المجتمعات المحلية، من خلال حملات أمنية واسعة تستهدف المدنيين بصورة جماعية وخارج أي إطار قانوني، بما يعكس نمطاً ثابتاً يقوم على الاعتقال التعسفي والعزل القسري والتعذيب المنهجي داخل أماكن الاحتجاز، وصولاً إلى الوفاة في عدد من الحالات.
وأوضحت المنظمة أن ما تشهده البيضاء منذ مطلع العام الجاري، وفي امتداد مباشر لنمط مستمر منذ سنوات في ذات المحافظة ومختلف المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، يعكس سياسة مؤسسية معتمدة تدار بصورة منظمة، وتستخدم فيها القوة العسكرية والأجهزة الأمنية لترهيب السكان وكسر أي مطالبات حقوقية أو احتجاجات سلمية.
- ففي فبراير 2026، اختطفت المليشيا نحو 30 مدنياً واقتادتهم نحو جهة مجهولة، خلال حملة عسكرية واسعة طالت قرية المنقطع بمديرية الشرية، عقب مقتل مشرف حوثي على خلفية نزاع قبلي، حيث فرضت حصاراً مشدداً استمر قرابة أسبوعين، ونفذت حملة انتقام جماعي شملت مداهمات للمنازل ونهب وتدمير ممتلكات وبث الرعب بين الأهالي.
- كما لا يزال نحو 39 مختطفاً من أبناء منطقة حنكة آل مسعود محتجزين في سجون المليشيا بصنعاء منذ يناير 2025، إضافة إلى استمرار احتجاز 22 مدنياً من أبناء حي الحفرة منذ يوليو 2025، وسط تقارير مؤكدة عن تعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية، ووفاة عدد منهم داخل أماكن الاحتجاز، وإصابة آخرين بإعاقات دائمة.
وفي هذا السياق، اكدت المنظمة أن الشاب عيسى محمد المسعودي (19 عاماً) توفي في 22 يناير 2026، متأثراً بإصابات خطيرة تعرض لها أثناء احتجازه جراء التعذيب الممنهج. كما أفرجت المليشيا في يناير الماضي عن المواطن عبدالله صالح مقبل المسعودي وهو مصاب بشلل كلي نتيجة تعذيب ممنهج استمر عاماً كاملاً، في حالة صحية كارثية تعكس جسامة ما يتعرض له المحتجزون.
وأشارت المنظمة إلى أن تقريرها السنوي الصادر في يناير الماضي حول حالة حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025، بعنوان “عام استباحة الحقوق وتجذّر الإفلات من العقاب”، وثّق وفاة نحو (13) مختطفاً داخل سجون الحوثيين خلال عام 2025 وحده، نتيجة التعذيب أو فور الإفراج عنهم بسبب المضاعفات الصحية الناجمة عنه. وأضافت أن تقارير حقوقية أخرى وثّقت وفاة المئات خلال السنوات الماضية في سياق هذه الممارسة القائمة على التعذيب الممنهج والإهمال الطبي المتعمد، بما يعزز المؤشرات على نمط مستمر من الانتهاكات الجسيمة داخل أماكن الاحتجاز.
ثالثاً: احتجاز الجثامين – انتهاك صارخ لكرامة الموتى وحقوق الأسر
أكدت “صحفيات بلاقيود” أن مليشيا الحوثي تواصل منذ يناير 2025 احتجاز جثامين مدنيين قتلوا خلال هجومها العسكري الواسع الذي طال منطقة حنكة آل مسعود بمديرية القريشية.
وفي أواخر يناير 2026، سلمت المليشيا ثمانية جثامين من أصل خمسة عشر بعد احتجاز دام قرابة عام، وفرضت قيوداً على مراسم الدفن، واشترطت دفنهم في مدينة ذمار بعيداً عن مسقط رأسهم، فيما لا تزال سبعة جثامين محتجزة حتى اليوم.
واعتبرت المنظمة أن احتجاز الجثامين يشكل انتهاكاً جسيماً لكرامة الموتى وحق الأسر في معرفة الحقيقة، ويثير مخاوف جدية من احتمال وقوع إعدامات ميدانية أو وفيات في ظروف احتجاز غير قانونية، فضلاً عن مخالفته الصريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني التي توجب احترام جثامين القتلى وتمكين ذويهم من دفنهم وفق تقاليدهم.
رابعاً: الحصار والعقاب الجماعي – أداة إخضاع وترهيب
رصدت المنظمة منذ مطلع العام الجاري تصعيداً مستمراً في استخدام الحصار والعقاب الجماعي في عدة مناطق في محافظة البيضاء، كأداة ضغط وإخضاع، في إطار سياسة مستمرة وممتهجة لإخضاع المجتمعات المحلية عبر تجريدها من الحماية والأمان.
- ففي 25 يناير طوقت مليشيا الحوثي منطقة الخشعة في حنكة آل مسعود، ومنعت الدخول والخروج منها، واستحدثت نقاط تفتيش ومتارس، وأعادت احتلال مساجد المنطقة وتحويلها إلى مواقع عسكرية، في انتهاك خطير لحرمة دور العبادة، وفي تكرار لذات الممارسات التي طالت المنطقة خلال العام الماضي.
- وفي 14–15 فبراير 2026، دفعت المليشيا بتعزيزات عسكرية ومدرعات إلى حي الحفرة بمدينة رداع، وفرضت طوقاً أمنياً تمهيداً لاقتحامه على خلفية مطالبات الأهالي بالإفراج عن 22 مختطفاً وتسليم قاتل الحاج حسن الحليمي الذي قتل في يوليو 2025 خلال هجوم تسبب بمقتل وإصابة نحو 13 مدنياً بينهم أطفال ونساء. وقد استخدمت القوة المفرطة ضد شبان كانوا يدعون إلى وقفة احتجاجية سلمية، أعقبها حصار كامل للحي.
- وفي 19–20 فبراير 2026، شنت المليشيا حملة عسكرية واسعة على قرية المنقطع بمديرية الشرية، وذلك عقب حصار مشدد استمر قرابة أسبوعين، منع خلاله دخول المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الأساسية إلى السكان، في انتهاك صارخ لحقوقهم الأساسية. وقد تخللت الحملة اقتحامات عنيفة للمنازل، وتنفيذ اختطافات جماعية بحق مدنيين، إلى جانب أعمال نهب وتخريب ممنهجة طالت الممتلكات الخاصة والمزارع ومصادر الرزق، في سياق اتسم بوضوح بطابع العقاب الجماعي والانتقام خارج إطار القانون.
امتداد لنمط قمعي متجذر في البيضاء والمناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا
أكدت منظمة “صحفيات بلا قيود” أن ما تشهده محافظة البيضاء منذ مطلع عام 2026 لا يمثل تصعيداً معزولاً، بل يأتي امتداداً مباشراً لنمط ممنهج من الانتهاكات ترسخ خلال الأعوام الماضية، ولا سيما خلال عام 2025، سواء في البيضاء أو في عموم المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا. فقد اتسم ذلك النمط بحملات عسكرية واسعة على مناطق مدنية، وعمليات قتل خارج نطاق القانون، واستخدام القناصة ضد السكان، وفرض حصارات مطولة، واحتجاز جثامين، إلى جانب موجات اختطاف جماعية وإخفاء قسري وتعذيب داخل أماكن الاحتجاز.
وأوضحت المنظمة أن تكرار هذه الأفعال بذات الآليات والأساليب، واستمرار استهداف المجتمعات نفسها أو تلك التي تبدي اعتراضاً أو تطالب بالعدالة، يؤكد أنها تنفذ في إطار سياسة مؤسسية قائمة على الإخضاع بالقوة، وترهيب السكان، وفرض العقاب الجماعي عليهم. وشددت على أن هذه الانتهاكات تمثل ممارسة منظمة وممنهجة، ذات امتداد جغرافي وزمني واضح، وتدار بصورة متسقة تعكس طابعها البنيوي واستمراريتها، بما يرسخ الإفلات من العقاب.
جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
أكدت منظمة صحفيات بلا قيود أن الانتهاكات المرتكبة في محافظة البيضاء منذ مطلع عام 2026 تمثل خرقاً جسيماً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إذ تنتهك المادة (6) و(7) و(9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، كما تخالف القواعد العرفية التي تحظر العقوبات الجماعية واحتجاز الجثامين والمعاملة المهينة.
وبالنظر إلى الطابع المتكرر والمنهجي لهذه الأفعال واتساع نطاقها ضد السكان المدنيين منذ عام 2025، فإنها تستوفي الأركان القانونية للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة (7) من نظام روما الأساسي، كما ترقى إلى جرائم حرب بموجب المادة (8) منه، بما يرتب مسؤولية جنائية فردية على الآمرين والمنفذين والمتواطئين، دون سقوط بالتقادم أو جواز الإفلات من العقاب.
دعوة عاجلة للتحرك الدولي ووقف الانتهاكات وضمان المساءلة
أدانت منظمة “صحفيات بلا قيود” بأشد العبارات هذه الانتهاكات الممنهجة والمستمرة، محملة مليشيا الحوثي المسؤولية القانونية الكاملة والمباشرة عنها، ومؤكدة أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، وأن مرتكبيها سيظلون عرضة للمساءلة الجنائية الوطنية والدولية.
وطالبت المنظمة المجتمع الدولي، وآليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، والمبعوث الأممي إلى اليمن، بالتحرك الفوري والفاعل لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة، واتخاذ خطوات عملية لضمان حماية المدنيين، وفرض المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين تعسفاً، والكشف عن مصير المخفيين قسراً، وتسليم الجثامين المحتجزة إلى ذويها دون قيد أو شرط.
كما دعت إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة في هذه الوقائع باعتبارها جرائم حرب مستمرة، وجرائم ضد الإنسانية بالنظر إلى طبيعتها الواسعة والمنهجية، مشددة على ضرورة إحالة المسؤولين عنها إلى آليات عدالة دولية فعالة.
وأكدت “صحفيات بلاقيود” في ختام بيانها، أن استمرار الصمت والتراخي الدوليين إزاء هذه الجرائم يسهمان بصورة مباشرة في تكريسها وتوسيع نطاقها، ويمنحان غطاءاً فعلياً لاستمرار استهداف المدنيين، محذرة من أن غياب المساءلة الجادة سيقود إلى مزيد من التصعيد والانفلات، ويعرض حياة السكان لمخاطر جسيمة ومتفاقمة.

