اخبار المنظمة

جنيف- في اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام، تجدد منظمة "صحفيات بلا قيود" دعوتها لحماية الإنسان من آثار الحروب الممتدة، وتؤكد أن الألغام ومخلفات النزاعات لا تزال تحصد الأرواح، وتعطل سُبل العيش، وتعيق مسارات الحياة في عدد من الدول التي شهدت نزاعات مسلحة، وعلى رأسها اليمن وسوريا وليبيا والسودان، إلى جانب مناطق أخرى لا تزال تدفع ثمن الحرب رغم توقف العمليات العسكرية فيها.
إن استمرار وجود الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة يشكّل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وتهديدًا مباشرًا لأمن المجتمعات المحلية، ويحول دون عودة النازحين، ويعيق عمليات الإغاثة والتنمية وإعادة الإعمار. وبعد سنوات من انتهاء النزاعات أو انحسارها، لا تزال آلاف العائلات تعيش في خوف دائم من ألغامٍ تواصل قتل الأبرياء بصمت، وتخلف إعاقات دائمة ومآسي إنسانية لا تُحصى.
لقد شكّلت "اتفاقية أوتاوا" لحظر استعمال وتكديس وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدميرها، والتي فُتح باب التوقيع عليها عام 1997، محطة فارقة في مسار حماية المدنيين من هذا السلاح العشوائي. وقد أسهمت بانضمام 156 دولة إلى تدمير أكثر من 41 مليون لغم من المخزونات العالمية، ووقف معظم عمليات الإنتاج والتجارة بهذه الأسلحة. إلا أن استمرار استخدامها من قبل جماعات مسلحة وجهات غير حكومية، وامتناع عدد من الدول عن الانضمام، ما زال يُشكل مصدر قلق إنساني بالغ.
في اليمن، تؤكد تقارير حقوقية وأممية أن جماعة الحوثي زرعت كميات هائلة من الألغام المضادة للأفراد والمركبات بشكل عشوائي ودون خرائط، ما جعل اليمن من أكثر دول العالم تلوثًا بالألغام، خاصة في الساحل الغربي ومحيط الحديدة وتعز.
في سوريا، أدى النزاع إلى انتشار الألغام والعبوات الناسفة في مناطق واسعة مثل ريف حلب، الرقة، ودير الزور، بينما تواجه جهود الإزالة تحديات كبيرة في ظل نقص التمويل والدعم الدولي.
في ليبيا، أسهمت الحرب الأهلية في تفاقم خطر الألغام، لاسيما في محيط طرابلس وسرت وبنغازي، وسط تقارير تؤكد استخدام ألغام محظورة دوليًا، ما يشكل خرقًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.
أما السودان، فقد كشفت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عن عودة مقلقة لاستخدام الألغام والعبوات الناسفة، لا سيما في الخرطوم وولايات دارفور، حيث تم توثيق حالات زرع ألغام في أحياء سكنية ومرافق عامة، حتى قرب المستشفيات، في انتهاك خطير يهدد المدنيين ويعيق عمليات الإغاثة.
وفي غزة، أدى العدوان الإسرائيلي المستمر، لا سيما منذ أكتوبر 2023، إلى تلويث مساحات واسعة من القطاع بالقنابل غير المنفجرة والألغام والذخائر العنقودية، التي خلفت مئات الضحايا من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وأعاقت وصول فرق الإغاثة والإنقاذ، وفاقمت من الكارثة الإنسانية في ظل الحصار المستمر وغياب الإمكانيات. كما أن استمرار قصف المناطق المأهولة وزرع أدوات الموت بين أنقاض المنازل والمنشآت المدنية يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني.
و في لبنان، فلا تزال الأراضي الجنوبية تعاني من آثار الاحتلال الإسرائيلي والحروب المتكررة، خاصة القنابل العنقودية التي أُلقيت خلال سنوات عديدة من العدوان علي لبنان ، والتي ما زالت تُهدد حياة المدنيين وتمنع الاستخدام الآمن للأراضي الزراعية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها فرق نزع الألغام المحلية والدولية.
ترحب منظمة "صحفيات بلا قيود" بالدور الحيوي الذي تقوم به الأمم المتحدة، عبر فرقها المتعددة، لضمان التنسيق وتقديم الدعم التقني واللوجستي للدول والمجتمعات المتضررة من الألغام ومخلفات الحرب. وتؤكد على أهمية الشراكات بين الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، والسلطات الوطنية، والمجتمع المدني، لضمان مقاربة شاملة وفعالة ومستدامة لإزالة الألغام وتقديم الدعم للضحايا.
وإذ تعرب المنظمة عن تضامنها مع ضحايا الألغام، ومع كل من فقد فردًا من عائلته أو حُرم من حريته بسبب إعاقة أو خطر دائم، فإنها تدعو جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني، والتوقف الفوري عن استخدام الألغام، والالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، لا سيما اتفاقية أوتاوا، والبروتوكول الخامس بشأن مخلفات الحرب من المتفجرات، واتفاقية الذخائر العنقودية التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2010.
بمناسبة هذا اليوم، نهيب بالمجتمع الدولي، وخصوصًا الدول الأعضاء في اتفاقية أوتاوا والدول المؤثرة في الملف الإقليمي، إلى التحرك العاجل للضغط على أطراف النزاع في اليمن وسوريا وليبيا للتوقف الفوري عن استخدام الألغام، وتقديم الدعم الفني والمالي لبرامج نزع الألغام ومساعدة الضحايا، مع تعزيز مبدأ المساءلة القانونية بحق الجهات التي تستخدم الألغام بشكل مخالف للقانون الدولي الإنساني، وتشجيع الدول غير المنضوية على الانضمام إلى اتفاقية أوتاوا والبروتوكولات ذات الصلة، وفي مقدمتها البروتوكول الخامس بشأن مخلفات الحرب من المتفجرات واتفاقية الذخائر العنقودية. كما ندعو إلى زيادة التمويل والدعم الدولي لبرامج التوعية، ونزع الألغام، وتقديم الرعاية الطبية والنفسية للضحايا، خاصة في المناطق الريفية والمهمشة التي غالبًا ما تغيب عنها الخدمات الأساسية.
كما تذكّر منظمة "صحفيات بلا قيود" العالم أن الألغام ليست مجرد بقايا حرب، بل أدوات قتل مزروعة في طريق الحياة. حماية الإنسان تتطلب استئصال هذه الأدوات، والعمل المشترك على ضمان أن لا يعيش أي طفل أو امرأة أو رجل تحت تهديد لغم صامت قد ينفجر في أي لحظة.
منظمة "صحفيات بلا قيود"
4 أبريل / نيسان 2025