أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن ثورة 11 فبراير ما تزال حيّة في وجدان اليمنيين وتمثل بوصلة للمستقبل ووعدًا سيتحقق مهما طال الزمن، مشددة على أن الثورة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مشروع دولة وقيم لا تسقط بالتقادم.
وقالت كرمان، في كلمة لها بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير، إن فبراير لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية كشفت جوهر الصراع في اليمن بين مشروع دولة حديثة قائمة على المواطنة المتساوية والعدالة وحكم القانون، وبين مشاريع الاستبداد والانقلاب والوصاية التي تعرقل قيام دولة يمنية حرة ومستقلة.
وأضافت كرمان أن الثورة السلمية تمثل اليوم معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا وخارطة طريق لإخراج اليمن من أزمته، ومرجعًا لوقف الانقلاب والحرب وبناء سلام مستدام، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على الانقلاب والحرب وما رافقهما من تدهور شامل.
وأشارت كرمان إلى أن دول الثورة المضادة في المنطقة – إيران والسعودية والإمارات – رغم تناقضاتها، التقت مصالحها عند هدف واحد هو منع اكتمال الثورة السلمية وإجهاض قيام دولة يمنية حديثة، معتبرة أن خوف هذه الدول لم يكن من ضعف اليمن، بل من قوته المحتملة وإمكاناته الاستراتيجية والبشرية والاقتصادية.
وقالت كرمان إن يمنًا مستقرًا ذا سيادة ومؤسسات كان سيشكل ثقلًا حقيقيًا في الإقليم، وهو ما لم يلق ترحيبًا من بعض القوى الإقليمية والدولية التي فضّلت بقاء البلاد هشّة تُدار عبر أنظمة تابعة أو ميليشيات.
انحراف التحالف
وأكدت كرمان أن معاناة اليمنيين لم تكن نتيجة الانقلاب الحوثي وحده، بل أيضًا نتيجة ما وصفته بـ«انحراف التحالف السعودي–الإماراتي» نحو إدارة صراعات نفوذ وتقاسم مناطق السيطرة، ما فاقم الانهيار الاقتصادي والإنساني.
ولفتت إلى أن الدور الإماراتي كان الأخطر على مسار الدولة اليمنية، متهمة أبوظبي بالسيطرة على الموانئ والجزر والمطارات ومواقع النفط والغاز، ودعم تشكيلات مسلحة موازية للدولة، والانتقال من مساندة الشرعية إلى تقويضها عبر دعم كيانات انفصالية.
وأضافت أن التمدد الإماراتي في حضرموت والمهرة فجّر خلافًا واضحًا مع السعودية، التي اعتبرت تلك المناطق عمقًا أمنيًا مباشرًا لها، مشيرة إلى أن تدخل الرياض أنهى الدور العسكري الإماراتي المباشر في تلك المناطق.
أداة نفوذ وصراع إقليمي
ورأت كرمان أن ما جرى في حضرموت كشف أن الحرب في اليمن لم تكن مجرد صراع داخلي، بل ساحة تنافس إقليمي على النفوذ والجغرافيا، وأن إدارة الفوضى تحولت إلى أداة نفوذ مقصودة، لا نتيجة جانبية للحرب، محذرة من أن استمرار الفوضى أو مشاريع التقسيم سيهدد أمن المنطقة بأسرها، وفي مقدمتها السعودية.
رسالة إلى السعودية
ووجهت كرمان رسالة مباشرة للمملكة العربية السعودية، معتبرة أن تحجيم الدور الإماراتي يفتح فرصة حقيقية لسلام مستدام، ويخلق مشهدًا أكثر وضوحًا يتمثل في دولة يمنية معترف بها ومدعومة من الرياض في مواجهة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
وقالت كرمان إن هذا التحول يمنح فرصة تاريخية لاستعادة الدولة، داعية إلى دعم كامل للشرعية، وتوحيد القوات في المناطق المحررة، وتمكين مؤسسات الدولة اقتصاديًا وإداريًا، والمضي نحو استعادة صنعاء «سلمًا إن أمكن أو حسمًا إن فُرض».
وأوضحت أن الخيارات واضحة بين سلام شامل يقوم على نزع سلاح الحوثيين ودمجهم سياسيًا كمكوّن مدني، أو حسم عسكري ينهي الانقلاب، محذّرة من البقاء في حالة «اللاحرب واللاسلم» أو إعادة تدوير الميليشيات تحت أي وصاية جديدة.
دعوة للنخب السياسية
كما دعت كرمان النخب السياسية اليمنية إلى تقديم نموذج ناجح في المناطق المحررة من خلال تفعيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس النواب، وممارسة الرقابة، وتحسين الخدمات وإدارة المال العام بشفافية.
وخاطبت كرمان القيادات السياسية بقولها: «اصنعوا نموذجًا ناجحًا في المناطق المحررة وسيسقط الحوثي في اللحظة نفسها»، مؤكدة أن الشرعية يجب أن تخضع للمساءلة، وأنه لا مكان للسلاح خارج مؤسسات الدولة.
وفي ختام كلمتها شددت كرمان على أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا ببناء دولة فاعلة توفر الأمن والخدمات وتُنهي اقتصاد الحرب والوصاية الخارجية، معتبرة أن ذلك وحده كفيل بتحويل السلام من هدنة مؤقتة إلى استقرار دائم.
وفيما يلي نص الكلمة:
أيها اليمنيون واليمنيات في كل مكان،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سلامٌ على اليمن الكبير..
سلامٌ على اليمن الذي –برغم آلامه–
يحوي داخله صبرَ السنين،
وإرادةً صلبةً لا تلين.
سلامٌ على كل يمنيٍّ حرٍّ
لا يقايض على بلاده، ولا يقبل بتفتيتها أو الوصاية عليها.
سلامٌ على فبراير وأهل فبراير الثابتين على مواقفهم،
والمتمسكين بمبادئهم.
أحييكم في الذكرى الخامسة عشرة لثورة الحادي عشر من فبراير 2011 الشبابية الشعبية السلمية، لا من باب الفخر وحده، بل من موقع المسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل. لم تكن ثورة فبراير السلمية حدثًا عابرًا، بل لحظةً تأسيسية كشفت جوهر الصراع في اليمن بين مشروع دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وحكم القانون، ومشاريع استبداد وانقلاب ووصاية لا تريد لليمن أن يكون دولةً حرّةً مستقلة.
اليوم وبعد 15 سنة من عمر ثورة فبراير السلمية، وأكثر من 10 سنين من عمر الانقلاب الميليشاوي والحرب والوصاية على اليمن، فإننا نستحضر هذه الثورة السلمية العظيمة بوصفها معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا، وخارطة خرج لليمن من النفق المظلم، خارطة طريق لوقف الانقلاب والحرب وبناء سلام مستدام في اليمن.
في ثورة الحادي عشر من فبراير الشبابية الشعبية السلمية، خرج اليمنيون، وفي مقدمتهم الشباب والنساء، وقد ضاقوا بدولة الفساد والاستبداد والفشل والتبعية، وحلموا بدولة تقوم على العدالة والحرية والكرامة والشراكة والتنمية وحكم القانون. خرجوا بمطالب واضحة: دولة المؤسسات لا الأفراد، ودولة القانون لا السلاح، واختاروا السلمية عن وعيٍ عميق بأن الشرعية تُبنى بالإرادة الشعبية لا بالقهر والقمع.
لم تكن فبراير صراعًا على سلطة، بل صراعًا على معنى الدولة: لم تكن لاستبدال شخصٍ بشخص، ولا الدولة بالميليشيا، ولا الجمهورية بالوصاية، بل لاستعادة الدولة وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب. لذلك فإن الهزيمة الحقيقية ليست في تعثّر المسار، بل في التخلي عن قيم فبراير والقبول بالظلم كأمر واقع.
قامت الثورة لأن الدولة في عهد علي عبد الله صالح وصلت إلى انسداد وانهيار شاملين، بعد أن اختطف الدولة وحولها إلى دولة فرد وعائلة وقبيلة، تُدار بالولاءات لا بالمؤسسات. نهب الثروات، واستشرى الفساد، وتدهور الاقتصاد، واتسع الفقر والبطالة، حتى تحوّل اليمن، رغم غناه بإمكاناته وموارده، إلى بلد فقير وفاشل وفق التصنيفات الدولية، نتيجة نظام حوّل الدولة إلى شبكة مصالح عائلية وقبلية تُدار لخدمة الحاكم لا المجتمع.
لقد حكم علي عبد الله صالح بمنطق صناعة الأزمات وسياسة «فرّق تسُد»، فجعل الانقسام والصراع والحرب أدوات دائمة للبقاء في السلطة. لم يكن العنف طارئًا، بل جوهر نظامه. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، قاد صالح اليمن في سلسلة حروب متواصلة، حيث أشعل النزاعات، ووظّف الجماعات الإرهابية لقمع الداخل وابتزاز الخارج، حتى تآكلت العدالة وتحولت الدولة إلى كيان يُدار بالخوف لا بالقانون.
ورغم كل محاولات الإصلاح السلمي، أُغلقت أبواب التغيير، وبلغ الانسداد ذروته بمحاولات تعديل الدستور لإطالة مدة حكمه، وثم مشروع توريث الحكم لابنه وتحويل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية إلى ملكية خاصة له ولعائلته، في بلد قام رفض الحكم الإمامي الوراثي وبُني على الجمهورية والديمقراطية.
هنا تراكمت أسباب الانفجار، وفقد اليمنيون ثقتهم بدولة لم تعد تمثلهم، ولا تحمي كرامتهم، ولا تؤمّن لهم حياة كريمة، فلم تعد الثورة في هذه المرحلة خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل أصبحت ضرورة تاريخية.
لقد صنع حكم علي عبد الله صالح الفاشل والفاسد والمستبد كل الشروط والأسباب الموضوعية للثورة، فجاءت ثورة الحادي عشر من فبراير السلمية فعلًا ومشروعَ إنقاذ وطني عميق. عبّرت عن الإرادة الأخلاقية والسياسية لليمنيين في استعادة الحكم بوصفه تفويضًا من الشعب لا إرثًا للحاكم، وفي إنقاذ الدولة اليمنية من التآكل والانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإعادة بنائها جمهورية موحّدة ديمقراطية مستقلة، دولة مؤسسات ومواطنة متساوية وعدالة وتنمية وشراكة وحكم رشيد، دولة تليق بتضحيات شعبها ومستقبل أجيالها القادمة.
وفي مسار الثورة السلمية، كان أمام اليمنيين خياران لا ثالث لهما: العنف، وهو الأسهل في بلد ينتشر بين ابناءه ما لايقل عن 70 مليون قطعة سلاح، أو النضال السلمي، وهو الأصعب والأكثر كلفة. لكن بوعيٍ ومسؤولية تاريخية، اختار الشعب اليمني السلمية خيارًا استراتيجيًا لا تكتيكًا مؤقتًا، إدراكًا منه بأن النظام يتقن العنف ويسعى لجرّه إلى ساحته. وكان رد الشعب بالسلمية، بالسلمية فقط نستطيع نزع شرعية النظام الأخلاقية، وتعريته أمام الداخل والخارج، وفضح عنفه أمام العالم. لقد آمن الشعب اليمني بأن السلمية وحدها تُسقط شرعية الظلم، وتحميه، وتوحّد جميع مكونات المجتمع حول قضية عادلة، وتفتح الطريق أمام المجتمع نحو تنمية حقيقية وعدالة راسخة وسلام مستدام.
وطيلة أشهر الثورة السلمية واجه اليمنيون الرصاص بالهتاف، والعنف بالصبر، وحافظوا على سلميتهم حتى أسقطوا الديكتاتور وأجبروه على نقل السلطة في نوفمبر 2011، في انتصارٍ للإرادة الشعبية على الاستبداد.
يا شعبنا اليمني العظيم في جميع ربوع اليمن الحبيب وفي المهجر،
بعد انتصار ثورة فبراير وإسقاط رأس النظام، دخل اليمن مرحلة انتقالية شاملة دون إقصاء أحد أو انتقام من أحد، بما في ذلك للحزب الحاكم الذي ثرنا على رئيسه. ورغم ما شاب هذه المرحلة من قصور وأخطاء جسيمة، لكنها، بفضل روح الثورة السلمية والتمسك بقيمها ورؤيتها الواضحة للمستقبل، شهدت إنجازات حقيقية وغير مسبوقة.
فكما قدّمت ثورة فبراير نموذجًا فريدًا لإحدى أعظم الثورات السلمية في العالم وفي التاريخ، فقد قدّمت أيضًا نموذجًا ناجحًا لإدارة الحكم والدولة خلال السنوات الثلاث للفترة الانتقالية؛ إذ جعلت السلم والسياسة بديلًا عن العنف والحرب وهما النهجان اللذان كان يتخذهما علي عبدالله صالح، ورسّخت مناخًا غير مسبوق من الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، وأوقفت الاعتقالات السياسية فلم يكن هناك معتقلا سياسيًا واحدًا أثناء الفترة الانتقالية، رفعت الرواتب، ألغت بعض صفقات الفساد الكبرى، وحققت قدرًا من الاستقرار الاقتصادي، وبدأت في إعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
كما أطلقت حوارا وطنيا شاملا ضمّ كل المكونات اليمنية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، ناقش جميع القضايا الكبرى التي تعاني منها والتي تطمح إلى حلها، من شكل الدولة والعدالة الانتقالية إلى الاقتصاد والحقوق والحريات والجيش، وقضية صعدة والقضية الجنوبية، وأثمر هذا الحوار الوطني وثيقة وطنية لمخرجات الحوار ومسودة دستور متقدمة كان من شأن هذا الدستور أن ينقل اليمن إلى يمن الحقوق والحريات، والمواطنة المتساوية، والمشاركة والمساءلة، وسيادة القانون، كان بإمكانه أن يفتح الطريق أمام انتقال سلمي نحو دولة حديثة.
كنا على بُعد أيام من الاستفتاء على الدستور والانتقال من الثورة إلى الدولة عبر انتخابات حرة، لولا تحالف الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، المنتقم من شعبه والرافض لفكرة الدولة اليمنية من أساسها، تحالفه مع ميليشيا الحوثي الإمامية السلالية، في واحدة من أسوأ عمليات الخيانة للدولة اليمنية والانقلاب على الجمهورية. جريمة كبرى ارتكبها علي صالح.
ففي 21 سبتمبر 2014 قاد تحالف الثورة المضادة، المكوَّن من علي عبد الله صالح بدعم إماراتي وبرضى وصمت سعودي، وميليشيا الحوثي بدعم إيراني، انقلابًا على الثورة السلمية ومسارها الانتقالي؛ حوصرت السلطة الانتقالية، ومُنعت مسودة الدستور من الوصول إلى الشعب، وسيطر الانقلابيون على مؤسسات الدولة، وسقطت العاصمة صنعاء.
والمفارقة أن دول الثورة المضادة في المنطقة؛ إيران، السعودية، الإمارات، رغم تناقضاتها وصراعاتها العميقة، إلا أنها التقت مصالحها عند هدف واحد: منع اكتمال الثورة السلمية وإجهاض ولادة دولة يمنية حديثة مستقلة. ولم يكن عداؤها نابعًا من الخوف من ضعف اليمن، بل من قوته القادمة وإمكاناته الهائلة. فقد خشيت هذه الدول نجاح الثورة السلمية في بناء دولة يمنية جمهورية ديمقراطية قوية، تستند إلى إرادة شعبها، وتتكئ على إمكانات ضخمة، موقعها الاستراتيجي، وساحلها الممتد، وجزرها الاستراتيجية، وثرواتها من النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن، والأهم كثافتها السكانية وقدرة أبنائها على البناء والإبداع واستثمار طاقاتهم البشرية.
بالنسبة لتلك الدول، فإن يمنًا مستقلًا ومستقرًا بمؤسساته وسيادته كان سيشكّل وزنًا حقيقيًا في الإقليم، وهو ما لم ترحب به هذه الدول، ولم ترحب به أيضا بعض الدول الكبر التي فضّلت بقاء اليمن هشًا ضعيفا، تُديره إما عبر ديكتاتور متحكم به أو ميليشيات تابعة لها، بدلاً من أن يكون اليمن دولة ذات سيادة كاملة.
نعم، أجهضت الثورة المضادة مرحلة انتقالية جاءت بعد ثورة سلمية عظيمة حملت الحقوق والحريات وقدرًا من الاستقرار الاقتصادي. لكن الثورة المضادة، والدول التي وقفت خلفها، لم تجلب لليمن سوى الحرب والفوضى والانهيار. انتصارهم في هذه المرحلة زائفًا ومؤقتًا؛ إذ لم يُهزم معنى فبراير، بل كُشف حجم الخوف منه. فالثورات لا تُقاس بلحظة الانقلاب عليها، بل بقدرتها على البقاء كفكرة حيّة وقيمة أخلاقية ومعيار للمستقبل.
فبراير باقية: فكرة حيّة، وبوصلة للمستقبل، ووعد سيتحقق مهما طال الزمن.
يا شعبنا اليمني العظيم،
كان التفاهم غير المعلن بين قوى الثورة المضادة والدول خلفها يقوم على حصر انقلاب تحالف الحوثي–صالح في صنعاء والشمال، غير أن تمددهم نحو عدن كسر هذا الخط الأحمر الذي وضعوه له، وأدخل اليمن في حرب شاملة. تدخل حينها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 تحت شعار استعادة الشرعية ومنع سقوط الدولة بالكامل. إلا أن هذا التدخل، الذي تحوّل عمليًا إلى تحالف سعودي–إماراتي، انحرف تدريجيًا عن أهدافه المعلنة، فلم يؤدِّ إلى استعادة الدولة، بل أسهم في تفكيكها وإضعاف مؤسساتها.
فبدل تمكين الشرعية، جرى إضعافها سياسيًا وعسكريًا، وبدل من استعادة الشرعية جرى تقويضها، وبدل مواجهة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، أُنشئت ميليشيات موازية للدولة في المناطق المحررة، لا تدين بالولاء لليمن ولا تخضع لمؤسساته، بدل تدين بالولاء للخارج. كما جرى تعطيل مؤسسات الدولة وتجريدها من جميع صلاحياتها.
وخلال عشر سنوات من الانقلاب والحرب، لم تكن معاناة اليمنيين نتيجة الانقلاب الحوثي وحده، بل أيضًا نتيجة انحراف التحالف السعودي الاماراتي، وتحوله إلى إدارة صراعات نفوذ وتقاسم مناطق السيطرة. واليوم، وفي ظل سلطات متنازعة، يواجه اليمنيون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم: اقتصاد منهار، مؤسسات مشلولة، عملة متدهورة، خدمات شبه معدومة، وملايين يعيشون تحت القمع والجوع وغياب الحماية والحقوق.
في هذا السياق، برز الدور الإماراتي بوصفه الأخطر على مسار الدولة اليمنية، والأبرز في تدميرها وتفكيكها، وهو ما حذرنا منه مرارًا. فلم يكن هذا الدور عارضًا أو مؤقتًا، بل جزءًا من مشروع متكامل لإعادة هندسة اليمن أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا بما يخدم مصالح إماراتية وخارجية. فمنذ اللحظة الأولى للحرب، سيطرت الإمارات على الموانئ والجزر والمطارات والسواحل ومواقع النفط والغاز، وركّزت على عسكرة الجنوب وبناء كيانات انفصالية وميليشيات مسلحة موازية للدولة. وهكذا انتقل دورها من مساندة الشرعية إلى تقويضها، ومن مواجهة الانقلاب إلى صناعة انقلابات موازية، والدفع نحو تقسيم اليمن بين سلطة انقلابية سلالية في الشمال وميليشيات انفصالية مسلحة في الجنوب.
ومع اتساع هذا المشروع ووصوله إلى حضرموت والمهرة، تفجّر الخلاف السعودي–الإماراتي بشكل واضح، كان هناك خلاف من قبل لكن تفجر أكثر ووضح بعد غزو ميليشيا الانتقالي لحضرموت والمهرة وهي الميليشيا المدعومة من الامارات. هنا أصبح، التمدد الإماراتي يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي. فحضرموت ليست مجرد محافظة يمنية استراتيجية، بل تمثل عمقًا أمنيًا مباشرًا للمملكة وخط دفاع متقدم عن أمنها. لهذا تدخلت السعودية بحسم، وأنهت الدور العسكري الإماراتي المباشر، وأُخرجت الإمارات من المعادلة العسكرية في اليمن بل وطردت منها.
وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة وارتياح اليمنيين لها، لكن ما كشفته حضرموت بوضوح هو أن حرب اليمن لم تكن مجرد صراع داخلي بين «شرعية» و«انقلاب»، بل ساحة تنافس إقليمي -للأسف- على الجغرافيا اليمنية والنفوذ عليها. كما كشفت حضرموت أن إدارة الفوضى في اليمن هي أداة نفوذ مقصودة، وليست مجرد نتيجة جانبية للحرب، وأن مشاريع التقسيم لم تكن مجرد أخطاء عابرة، بل سياسات مدروسة في صراع إقليمي أوسع.
وما حدث في حضرموت مثّل أيضا اعترافًا ضمنيًا ومباشر أيضًا بأن تفكيك اليمن كما هو مرفوض من قبل اليمنيين لم يعد خيارًا مقبولًا، من منظور المصالح السعودية والإقليمية. وإذا لم يُصحَّح المسار باتجاه تمكين الدولة الوطنية، فإن كلفة الفوضى لن تبقى محصورة داخل اليمن، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره، مهددة أمنه واستقراره، وفي مقدّمته أمن المملكة العربية السعودية.
هنا أوجه رسالة للمملكة العربية السعودية:
اليوم، وبعد طرد الإمارات من التحالف العربي وتحجيم دورها ومشاريعه التفكيكية في اليمن، تلوح فرصة حقيقية لسلام مستدام. الآن المشهد بات أوضح: دولة يمنية معترف بها ومدعومة من المملكة العربية السعودية، في مواجهة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران. هذا الوضوح يفتح نافذة تاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
إن الحسم السريع الذي تحقق في حضرموت والمهرة وشبوة وصولا إلى عدن لم يكن حدثًا عابرًا، لقد ولّد ثقة كبيرة لدى اليمنيين بتحول سعودي جاد في إدارة المعركة في اليمن بما يصب في استعادة دولته وحماية وحدة أراضيه، هذه الثقة الشعبية هي العنصر الأهم لأي معركة سياسية أو عسكرية قادمة.
وبهذا المنطق نفسه يمكن تحقيق حسم مماثل إذا استمر هذا التوجه نحو استعادة صنعاء. وفي ظل هذا التحول، تبرز فرصة حقيقية لاستعادة الدولة اليمنية كاملة، بما يخدم مصلحة اليمن والأمن القومي السعودي والعربي معًا.
اليوم الفرصة كبيرة مع تراجع قدرة إيران على إدارة نفوذها الخارجي، ومع تزايد القوة لدى المملكة العربية السعودية، باتت الخيارات واضحة: إما سلام شامل يقوم على نزع سلاح الحوثيين وضمان استقلال القرار الوطني ودمجهم سياسيًا كمكوّن مدني في الحياة السياسية اليمنية غير مسلح، أو حسم يعيد صنعاء ويكرّس معادلة الدولة الواحدة، تعقبه عملية سياسية بلا سلاح.
الخطر الحقيقي هو البقاء في حالة اللاحرب واللاسلم، أسوأ الخيارات هو التردد، أو نقل رعاية الميليشيات من الامارات إلى السعودية بدلًا عن تفكيكها، أو التفكير بتقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ. في هذه الحالة تُدار الأزمة بدل حلّها، وتُعاد تدوير الميليشيات بدل إنهائها. إن إبقاء اليمن في هذه المنطقة الرمادية يمنح الحوثيين وقتًا لإعادة بناء قوتهم والتسلل بخطاب الدولة والدفاع عن السيادة والوحدة، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث، لأن الميليشيا حين تتقمص لغة الدولة تصبح أكثر قدرة على التجنيد والتمدّد.
لا سبيل أمام السعودية والعالم لتحقيق سلام مستدام في هذا البلد وجعله فعلا ركن أساسي في أمن الإقليم وأمن العالم إلا دعم الشرعية دعما كاملا، وتوحيد القوات في المناطق المحررة تحت قيادتها، وتقديم دعم اقتصادي حقيقي، وتمكين مؤسسات الدولة من إدارة المناطق المحررة، ثم المضي بثبات نحو استعادة صنعاء، سلمًا إن أمكن أو حسمًا إن فُرض..
هذا الموقف ليس غزلًا سياسيًا ولا تفويضًا مطلقًا لأحد. سأدعم أي مسار يخدم الجمهورية والوحدة وبناء الدولة، وسأعارضه بوضوح إن انحرف عن هذه الأهداف. فالمعادلة واضحة: يمن موحّد وقوي يشكّل عمقًا استراتيجيًا لجيرانه، بينما يمن ممزّق سيبقى مصدر استنزاف وعدم استقرار للمنطقة بأكملها.
رسالة إلى النخب السياسية اليمنية:
بلادنا جريحة، وشعبنا دفع أثمانًا هائلة، وأي تخلٍّ عن مهمة إنقاذه خيانة أخلاقية وتاريخية. على السلطة القائمة أن تعيد الاعتبار للمؤسسات، ولمعنى الدولة، وأن تقدّم نموذجًا محترمًا في المناطق المحررة. مجلس النواب يجب أن ينعقد، والرقابة يجب أن تُمارس، ولم يعد مقبولًا أن تبقى الشرعية خارج المساءلة.
اصنعوا نموذجًا ناجحًا في المناطق المحررة، وسيسقط الحوثي في اللحظة نفسها. لا أعذار بعد اليوم. فإما أن تعتدلوا، أو تعتزلوا. لا أنتم ولا الحوثي قدرٌ مسلّط على رقاب اليمنيين. نحن معكم ما دمتم مع الجمهورية والوحدة ومصالح الشعب العليا، وسنقف ضدكم بلا تردد إذا انحرفتم أو فسدتم أو خنتم.
اعملوا من أن أجل إنهاء السلاح خارج الدولة، اعملوا من أجل إنهاء المليشيات خارج الدولة، ووقف اقتصاد الحرب، ورفض أي وصاية أو نفوذ خارجي. ولا يمكن أن ينجح هذا الطريق إلا إذا قدمتم نموذجًا حقيقيًا في المناطق المحررة، يوفّر الأمن والخدمات، ويدير المال العام بوضوح. عندها فقط يكون السلام نتيجة طبيعية لبناء الدولة، لا هدنة مؤقتة تعود بعدها الحرب من جديد.
وأخيرًا أيها اليمنيون الأحرار،
لقد جرى خلال السنوات الماضية تهميش السياسة وتحويلها من فعل وطني مسؤول إلى ممارسة مُدانة، حتى بلغ الأمر حدّ منع الحكومة من الحديث في الشأن السياسي العام، في جريمة كبرى فتحت الباب واسعًا أمام العنف والميليشيات والمشاريع الظلامية. حين تُغلق السياسة، يُسلَّم الوطن للسلاح، وحين يُقصى النقاش، يتقدّم التطرف وتتفشّى الفوضى.
لهذا، علينا أن نكون في غاية الحذر من شيطنة العمل السياسي، والأحزاب، والانتخابات، والديمقراطية، وحق المساءلة، لأن إغلاق المجال العام لا يخدم إلا الميليشيات والاصطفافات الضيقة.
وعلى الرغم من قسوة الانقلاب والحرب، ظل الصراع في اليمن سياسيًا حول السلطة ومعنى الدولة، لا حربًا طائفية أو عرقية كما حدث في مجتمعات أخرى شهدت حروبًا وانقلابات مماثلة. وهذه شهادة على وعي المجتمع اليمني وتماسكه، وهي حقيقة يجب أن نفخر بها ونحافظ عليها. فاليمن لم يُهزم، لأن الشعوب لا تُهزم إلا حين تفقد معناها الأخلاقي، واليمنيون حافظوا على أخلاقهم وتماسكهم الاجتماعي، ومعهما حافظوا على فكرة الوطن وحلم الدولة.
السلام ممكن في اليمن، لأن المجتمع لم ينكسر، ولأن اليمنيين أثبتوا رغبتهم وقدرتهم على السلام، لهذا خرج اليمنيون في فبراير، ولهذا صمدوا، ولهذا ما زال مشروعهم حيًا رغم كل ما جرى.
فبراير لم تنتهِ، لأنها ليست يومًا في التاريخ، بل بوصلة للمستقبل؛ كلما ابتعدنا عنها ازداد التيه، وكلما عدنا إلى قيمها اقتربنا من طريق الخلاص.
المجد للشهداء،
الحرية للمعتقلين،
الكرامة لليمنيين جميعًا،
والنصر لليمن جمهورية عادلة، موحّدة، ديمقراطية.
المجد لليمن الجمهوري الكبير،
ورحم الله شهداء اليمن، وشفى الجرحى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

