اخبار المنظمة
صحفيات بلاقيود: الحوثيون يحوّلون خمسة مختطفين إلى متهمين عبر محاكمات صورية
اليمن – قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن إحالة مليشيا الحوثي خمسة مختطفين من العاملين في المجالين الإنساني والمدني إلى ما تسمى النيابة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرتها، بعد أكثر من عامين من احتجازهم،
تمثل تصعيداً خطيراً في توظيف الأجهزة القضائية كأداة للقمع والترهيب، وتحويل ضحايا الاختطاف والإخفاء والاحتجاز التعسفي إلى متهمين في قضايا أمنية ملفقة، فضلاً عن استخدامها كورقة ضغط وابتزاز في مواجهة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية.
وأكدت المنظمة في بيان خاص وموسع أن ما يجري بحق عاصم العشاري، والدكتور علي أحمد المضواحي، ولبيب شائف العبسي، ومراد ظافر، وسامي الكلابي، يأتي امتداداً لمسار ممنهج تستخدمه مليشيا الحوثي، يبدأ بالاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وما يرافق ذلك من تعذيب وسوء معاملة وحرمان من الرعاية الصحية والتواصل مع الأسر والمحامين، ثم الانتقال إلى المسار القضائي والاستناد إلى اعترافات منتزعة تحت التعذيب لإعادة تدوير اتهامات التخابر والتجسس، وفرض محاكمات صورية تمهد لأحكام تعسفية قاسية.
وشددت “صحفيات بلا قيود” على أن هذه الانتهاكات، بما فيها الإجراءات والأحكام الصادرة عن ما تسمى الجهات القضائية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، تفتقر إلى المشروعية، وأن المسؤولية عنها تمتد عبر كامل سلسلة القيادة، مؤكدة أن جميع المتورطين، أياً كانت مواقعهم، يخضعون للمساءلة، وأن الأفعال التي تستوفي عناصر الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، وقد ترقى، بالنظر إلى طبيعتها وسياقها ونمط ارتكابها، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
واوضحت المنظمة، استناداً إلى المعلومات التي تلقتها وإفادات أسر المختطفين ومحاميهم ومصادر متعددة، إن مليشيا الحوثي أحالت خلال الأيام الماضية ملفات المختطفين الخمسة إلى ما يسمى النيابة الجزائية المتخصصة في صنعاء، بعد أن كانت قد اختطفتهم ضمن حملة واسعة وممنهجة استهدفت عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الدولية والمحلية منذ منتصف عام 2024.
من الاختطاف والإخفاء إلى المحاكمة الصورية
وقالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن إحالة المختطفين الخمسة إلى ما يسمى بالنيابة الجزائية المتخصصة تمثل امتداداً لنمط متكرر ومنهجي يبدأ بالاختطاف والإخفاء القسري وسوء المعاملة والتعذيب، ويمتد إلى انتزاع اعترافات تحت التعذيب، ثم تقديمها كأدلة إدانة في إجراءات قضائية تُمهد لمحاكمتهم وإصدار أحكام تعسفية بحقهم، مشيرة إلى الأحكام التعسفية التي طالت 32 مختطفاً منذ أواخر العام 2025، بينهم أكاديميون وعاملون في المجال الإنساني وموظفون سابقون في السفارة الأميركية.
وشددت المنظمة على أن ما يسمى بالنيابة والمحكمة الجزائيتين المتخصصتين، الخاضعتين لسيطرة مليشيا الحوثي، تفتقران إلى المشروعية الدستورية والقانونية، وأن إخضاع المختطفين لإجراءاتهما لا يضفي المشروعية على الاحتجاز التعسفي، ولا يمنح الاتهامات المنتزعة أو المصاغة في ظروف الإخفاء القسري والتعذيب قيمة قانونية تؤسس لمحاكمة عادلة، مؤكدة أن نقل ملف الانتهاكات من غرف الاحتجاز والتحقيق إلى قاعات ما تسمى بالمحاكم لا يمحو الجرائم المرتكبة خلالها، ولا يسقط المسؤولية القانونية عن مرتكبيها.
وأكدت المنظمة أن استخدام هذه الأجهزة لإضفاء مظهر قضائي على اتهامات صاغتها الأجهزة الأمنية خلال فترة الاختطاف والإخفاء يمثل توظيفاً للقضاء يحول الإجراءات القضائية ذاتها إلى حلقة جديدة في سلسلة القمع، بدلاً من أن تكون وسيلة للتحقيق في الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها وإنصاف الضحايا.
المختطفون الخمسة ضحايا لمسار واحد
وقالت المنظمة أن الحالات الخمس تكشف طبيعة الفئة التي استهدفتها مليشيا الحوثي، والتي تضم أطباء ومتخصصين في الصحة العامة، وعاملين في منظمات المجتمع المدني، وموظفين مرتبطين بالعمل الدولي والأممي، مؤكدة أن استهدافهم جاء على خلفية أعمالهم المهنية والمدنية والإنسانية.
وقالت إن عاصم العشاري، مدير البحوث والسياسات العامة في مؤسسة «رنين اليمن»، اختطف في مايو 2024، وتعرض للإخفاء القسري والحرمان من التواصل مع أسرته، وظل محتجزاً لدى مليشيا الحوثي في ظروف احتجاز قاسية، قبل أن تتدهور حالته الصحية داخل الاحتجاز، حيث فقد البصر في إحدى عينيه، رغم عدم معاناته من مشكلات مماثلة قبل اختطافه. وأشارت المنظمة إلى أن العشاري حرم كذلك من زيارة والده، الذي اصيب بجلطة دماغية أدخل على إثرها إلى العناية المركزة في المستشفى اليمني الألماني، إثر مضاعفات الضغوط النفسية التي تعرض لها جراء اختطاف نجله عاصم واستمرار إخفائه قسراً، وغياب المعلومات بشأن وضعه الصحي ومصيره وما يواجهه.
وأضافت أن قضية العشاري كانت من بين الحالات التي وثقتها المنظمة وحذرت بشأنها في بيانات سابقة، باعتبارها نموذجاً لما رافق حملة الاختطافات من إخفاء قسري وحرمان من الحقوق الأساسية وتدهور في الأوضاع الصحية والإنسانية للمحتجزين، جراء ماتعرضوا له من سوء معاملة وتعذيب واهمال طبي.
كما قالت المنظمة إن الدكتور علي أحمد المضواحي، الطبيب واختصاصي الصحة العامة والوبائيات والعامل في مجالات صحة الأسرة والرعاية الصحية الأولية وبرامج التحصين واللقاحات، احتجز منذ يونيو 2024، وظل مخفياً عن أسرته لنحو ستة أشهر قبل أن تتلقى زوجته أول اتصال منه في ديسمبر من العام ذاته، ثم اقتصرت اتصالاته اللاحقة على مكالمات نادرة ومقتضبة.
وأوضحت المنظمة، استناداً إلى إفادته التي نقلتها زوجته، أن المضواحي أمضى أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض، وتعرض خلال احتجازه للتعذيب والإهانة والحرمان من الماء والطعام والنوم، وإجباره على الوقوف لفترات طويلة، والضغط عليه لانتزاع أقوال وتوقيعات منه تحت الإكراه.
وأضافت المنظمة، وفقاً لما أوردته زوجته نقلاً عن محاميه، أن المضواحي مثل أمام ما يسمى النيابة الجزائية المتخصصة التابعة لمليشيا الحوثي في أولى جلسات التحقيق يوم 24 أغسطس 2026، وسط إجراءات أمنية مشددة، وهو يرتدي ملابس السجن ومقيد اليدين ومكمم الفم، فيما خضع محاموه للتفتيش والترهيب، ولم يتح لهم التواصل معه بصورة خاصة، بينما تركزت التحقيقات على اتهامات مرتبطة بعمله في مجال الصحة العامة وبرامج التحصين واللقاحات.
وأوضحت المنظمة أن جلسات التحقيق تتابعت بوتيرة متسارعة، إذ عقدت جلسات أخرى في 26 أغسطس 2026، في وقت لم يمنح فيه المضواحي ومحاموه فرصة كافية لدراسة ملف القضية وإعداد الدفاع؛ فقد طلب منه الرد خلال فترة محدودة على ملف يقارب خمسة آلاف صفحة، جمعت مواده خلال أكثر من عامين من احتجازه، فيما منع محاموه من تصوير الملف أو الحصول على نسخة منه.
واكدت المنظمة أن هذا التسارع، مقروناً بضخامة الملف وحرمان الدفاع من الوقت والوسائل اللازمة للاطلاع عليه، يكشف أن ما يسمى بالإجراءات القضائية لا يستهدف تمكين الدفاع من مناقشة الأدلة وكشف حقيقتها، وإنما الإسراع في تمرير اتهامات الأجهزة الأمنية والوصول إلى أحكام محددة مسبقاً.
وأضافت المنظمة أن ما أفاد به المضواحي بشأن تعرضه لضغوط لإجباره على الاعتراف بأنه جُنّد من قبل منظمة الصحة العالمية، وأن اللقاحات المقدمة للأطفال تُستخدم كأدوات تجسس تستهدف الإضرار بهم، يكشف عن توظيف روايات أمنية وسياسية لتجريم عمل صحي ومهني مدني، وتحويل نشاطه في حماية صحة الأطفال وتنفيذ برامج التحصين إلى مادة للاتهام، بما يهدد بتجريم العمل الصحي والإنساني وإخضاع برامج التطعيم وحماية الأطفال لمنطق أمني وقمعي.
وشددت المنظمة على أن الأقوال أو التوقيعات المنتزعة تحت التعذيب أو التهديد أو الحرمان من النوم والطعام والماء لا تصلح أساساً لأي اتهام أو إدانة، وأن إعادة تدويرها من قبل أجهزة تابعة لمليشيا الحوثي وتقديمها في صورة محاضر وتحقيقات لا يمنحها أي مشروعية قانونية، بل يمثل امتداداً للانتهاكات التي تعرض لها منذ اختطافه.
وأضافت “صحفيات بلا قيود” أن لبيب شائف العبسي، الخبير والباحث والمدرب في مجالات السياسات العامة والحوكمة والمجتمع المدني، الذي اختطف من مكتبه في صنعاء في يونيو 2024، تعرض هو الآخر للإخفاء القسري والحرمان من التواصل مع أسرته لفترة طويلة، قبل السماح له باتصالات محدودة ومقتضبة. وأوضحت أن حالته الصحية والنفسية تدهورت خلال فترة احتجازه جراء سوء المعاملة والتعذيب والإهمال الطبي والعزل عن أسرته والعالم الخارجي، وإبقائه في ظروف احتجاز قاسية لفترات طويلة.
كما قالت المنظمة إن مراد ظافر، نائب مدير المعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية (NDI)، اختُطف من منزله في صنعاء في يونيو 2024، وظل مخفياً قسرياً لعدة أشهر قبل أن يتمكن من التواصل مع أسرته بصورة محدودة. وأضافت أنه حرم من توديع والدته التي توفيت بعد عدة أشهر من اختطافه، رغم تلقي أسرته وعوداً بالسماح له بذلك، فيما تدهورت حالته الصحية بصورة بالغة خلال فترة احتجازه، حتى بات يحضر إلى جلسات ما تسمى النيابة مستنداً إلى عكاز بعد أن فقد جزءاً من قدرته على المشي، وفقاً لما أورده الصحفي فارس الحميري، في مؤشر بالغ الخطورة على ما تعرض له من سوء معاملة وإهمال طبي خلال فترة احتجازه.
وقالت المنظمة إن سامي لطف الكلابي، الموظف في مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، اختطف هو الاخر من منزله في صنعاء في يونيو 2024 على يد مسلحين تابعين لجهاز الأمن والمخابرات، بعد اقتحام المنزل وتفتيشه ومصادرة عدد من مقتنياته، وظل منذ ذلك الحين محتجزاً ومخفياً قسرياً بمعزل عن الحماية القانونية.
وأضافت أن الكلابي يعاني من مرض كرون ومضاعفات حادة في الجهاز الهضمي ووظائف الكلى، إلى جانب مضاعفات عصبية، وأن حالته الصحية استدعت نقله إلى المستشفى مرات عدة، بينها مرة بقي خلالها نحو عشرة أيام في وضع صحي حرج، فيما كشفت شقيقته في أحدث مناشدة للأسرة عن إصابته أيضاً بالسرطان، محذرة من أن استمرار احتجازه وحرمانه من الرعاية الطبية المتخصصة والعلاج المنتظم يهددان حياته بصورة مباشرة.
وحذرت “صحفيات بلا قيود” من أن إحالة الكلابي إلى ما تسمى النيابة الجزائية المتخصصة، في ظل وضعه الصحي بالغ الخطورة وبعد أكثر من عامين من الاحتجاز والإخفاء القسري، تمثل تصعيداً جديداً في الانتهاكات بحقه، وتوظيفاً للإجراءات القضائية لإضفاء مظهر قانوني على احتجازه طويل الأمد، في وقت تستوجب حالته الصحية تدخلاً طبياً عاجلاً ومستقلاً وضمان حصوله على العلاج والرعاية المتخصصة بصورة منتظمة.
وشددت على أن استمرار احتجازه في هذه الظروف، مع حرمانه من الرعاية الطبية اللازمة والتواصل الفعال مع أسرته ومحاميه، يحمل مليشيا الحوثي المسؤولية المباشرة والكاملة عن حياته وسلامته، ويستوجب الإفراج عنه فوراً وتمكينه من الحصول على الرعاية الطبية التي تتطلبها حالته.
تدهور صحي ونفسي وأذى يمتد إلى الأسر
وأكدت “صحفيات بلا قيود” أن الوقائع المرتبطة بالمختطفين الخمسة تكشف حجم الأذى الجسدي والنفسي الذي خلفه الاحتجاز المطول والإخفاء القسري وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية، إذ أصيب عدد منهم خلال فترة احتجازهم بأمراض وإصابات خطيرة لم تكن قائمة قبل اختطافهم، فيما امتدت آثار الانتهاكات إلى أسرهم التي عاشت سنوات من الخوف والقلق وانعدام اليقين بشأن مصير ذويها، وحرمت من الزيارة والتواصل المنتظم معهم.
وقالت المنظمة إن ما يجمع هذه الحالات لا يقتصر على طول مدة الاحتجاز، بل يشمل نمطاً متكرراً من الانتهاكات يبدأ بالإخفاء والعزل عن العالم الخارجي، ويترافق مع سوء المعاملة والتعذيب أو الحرمان من الرعاية الصحية، لينتهي في بعض الحالات بتدهور صحي بالغ الخطورة، أو الموت داخل الاحتجاز، أو الانتقال إلى مسار قضائي صوري ينطوي على خطر إصدار أحكام تعسفية قاسية.
وأشارت المنظمة إلى أن سجل مليشيا الحوثي يقدم شواهد بالغة الخطورة على هذا المسار؛ فقد توفي أحمد باعلوي، الموظف في برنامج الأغذية العالمي، داخل أحد سجون المليشيا في محافظة صعدة في فبراير 2025، بعد أقل من شهر على اختطافه واحتجازه. كما سبق أن توفي هشام الحكيمي، مسؤول الأمن والسلامة في منظمة رعاية الطفولة، داخل الاحتجاز في أكتوبر 2023، بعد نحو خمسين يوماً من اختطافه، مؤكدة أن هاتين الحالتين تجسدان الخطر المباشر الذي يواجهه المحتجزون لدى مليشيا الحوثي، في ظل ما يتعرضون له من تعذيب وسوء معاملة وحرمان من الرعاية الطبية، إلى جانب الاحتجاز المطول بمعزل عن الضمانات القانونية والقضائية الأساسية.
كما أشارت المنظمة إلى ما أورده الصحفي فارس الحميري بشأن الأوضاع الصحية المأساوية لعدد من العاملين الإنسانيين المحتجزين في سجون مليشيا الحوثي، والتي تشمل إصابات واضطرابات صحية ونفسية خطيرة، من بينها اضطرابات نفسية حادة، وفشل كلوي يستدعي الغسيل المستمر، وفقدان القدرة على المشي والحاجة إلى عكاز، والتعرض لجلطات متكررة وانصمام رئوي، وفقدان حاد للوزن، وفقدان البصر في إحدى العينين مع خطر فقدانه كلياً، إضافة إلى إصابة أحد المحتجزين بسرطان الكبد في مرحلة متقدمة.
وشددت المنظمة على أن تراكم هذه الحالات، وما يرافقها من غياب الفحوص الطبية المستقلة والحرمان من العلاج والرعاية المناسبة، يكشف عن خطر حقيقي يتهدد حياة المحتجزين وسلامتهم، ويجعل استمرار احتجازهم في هذه الظروف انتهاكاً قائماً بذاته، وليس مجرد مسألة إجرائية مرتبطة بملفاتهم القضائية.
وحذرت “صحفيات بلا قيود” من أن الخطر الذي يتهدد المختطفين لا يقف عند حدود استمرار الاحتجاز، بل يتخذ مسارات متعددة تتفاقم خطورتها مع مرور الوقت: فقد ينتهي الاحتجاز إلى وفاة داخل السجن نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة أو الإهمال الطبي، أو إلى إصابات وأمراض مزمنة تترك آثاراً دائمة على حياة الضحايا، أو إلى نقلهم إلى إجراءات قضائية صورية تُبنى على اعترافات منتزعة تحت الإكراه وتمهد لأحكام تعسفية قاسية، بما فيها أحكام الإعدام.
وأكدت أن إحالة المختطفين إلى ما يسمى النيابة الجزائية المتخصصة، بدلاً من أن توفر لهم حماية قانونية حقيقية، تثير مخاوف جدية من انتقالهم إلى المرحلة التالية من هذا المسار، خصوصاً في ضوء السوابق التي انتهت إلى إصدار أحكام إعدام بحق مختطفين بعد محاكمات افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة. وقالت إن الخطر الأكثر إلحاحاً يتمثل في أن يتحول الاحتجاز الطويل وما رافقه من تعذيب وإخفاء وحرمان من الرعاية الصحية إلى مقدمة لمحاكمات معدة نتائجها سلفاً، بدلاً من أن يكون القضاء طريقاً لكشف الانتهاكات وإنصاف الضحايا.
وأشارت المنظمة إلى أن هذا الخطر لا يهدد المختطفين الخمسة وحدهم، بل يمتد إلى عشرات المحتجزين الآخرين من العاملين الأمميين والإنسانيين، الذين ما يزالون رهن الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي، في ظل استمرار مليشيا الحوثي في استخدام اتهامات التخابر والتجسس لتجريم العمل الإنساني والمدني، وتعريض العاملين فيه لمخاطر التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز المطول والمحاكمات الصورية.
الأسر.. ضحايا آخرون لسياسة الإخفاء والاحتجاز
وشددت “صحفيات بلا قيود” على أن الأذى الذي تسببت به مليشيا الحوثي لم يتوقف عند المختطفين، بل امتد إلى أسرهم التي تحملت تبعات سنوات من الإخفاء والاحتجاز، وما رافق ذلك من فقدان المعيل أو مصدر الدخل في بعض الحالات، والقلق المستمر على حياة ذويها ومصيرهم، والحرمان من الزيارة والتواصل، والعيش في انتظار أخبار قد لا تأتي.
وأكدت المنظمة أن الإخفاء القسري لا يحرم الضحية وحده من حريته وحقوقه، وإنما يضع أسرته في حالة مستمرة من الألم وعدم اليقين، ويحول مصير المختطف إلى مصدر دائم للخوف والضغط النفسي، خصوصاً عندما تمنع الأسرة من معرفة مكان احتجازه أو حالته الصحية أو الوصول إليه.
وذكرت المنظمة أنها وثقت في بيانات سابقة نحو خمس حالات وفاة بين آباء وأمهات المختطفين تحت وطأة الضغوط النفسية المستمرة الناجمة عن إخفاء أبنائهم وحرمانهم من معرفة مصيرهم، من بينها والدة سارة الفائق، ووالدة رباب المضواحي، ووالدة مراد ظافر. كما وثقت إصابة ما لا يقل عن تسعة من آباء وأمهات المختطفين بمضاعفات صحية خطيرة، شملت جلطات دماغية وذبحات صدرية وأمراضاً مرتبطة بالضغط النفسي المزمن، وكان من بينهم والد المختطف عاصم العشاري الذي أصيب بجلطة دماغية حادة في ظل استمرار احتجاز ابنه وحرمان الأسرة من التواصل معه.
وقالت المنظمة إن وفاة آباء وأمهات المختطفين وإصابة آخرين بأمراض خطيرة لا يمكن فصلها عن سنوات الخوف والانتظار والإخفاء التي فرضتها المليشيا على الأسر، وإن هذه الآثار يجب أن تُفهم باعتبارها جزءاً من الكلفة الإنسانية المباشرة لسياسة الاختطاف والإخفاء القسري، وليست أضراراً جانبية منفصلة عن الجريمة الأصلية.
وحذرت “صحفيات بلا قيود” من أن استمرار هذا النهج، مع انتقال عدد متزايد من المختطفين إلى ما يسمى النيابة والمحاكم الجزائية، ينذر بتكرار دائرة الانتهاكات ذاتها: احتجاز طويل وإخفاء قسري، ثم تدهور صحي ونفسي، ثم اتهامات أمنية ومحاكمات صورية، وصولاً إلى أحكام قاسية قد تنتهي بالإعدام، بينما تظل الأسر معلقة بين الخوف من فقدان ذويها داخل السجون والخشية من فقدانهم نتيجة أحكام قضائية جائرة.
جرائم دولية تستوجب المساءلة
وأكدت “صحفيات بلا قيود” أن الاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والاضطهاد، واستهداف العاملين الأمميين والإنسانيين والمدنيين بسبب طبيعة عملهم ونشاطهم، ثم إخضاعهم لإجراءات قضائية صورية، ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي موجه ضد سكان مدنيين، بما يشكل جرائم ضد الإنسانية وفقاً للمادة (7) من نظام روما الأساسي، ولا سيما الإخفاء القسري والحرمان الشديد من الحرية والتعذيب والاضطهاد والأفعال اللاإنسانية.
وأضافت المنظمة أن التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة والاحتجاز غير المشروع والاعتداء على الكرامة الشخصية، وغيرها من الأفعال المحظورة المرتكبة بحق أشخاص مشمولين بالحماية في سياق النزاع المسلح غير الدولي في اليمن، تشكل جرائم حرب وفقاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
وشددت على أن تكرار هذه الأفعال واتساع نطاقها واستهدافها فئة من المدنيين، إلى جانب ارتباطها بنمط منظم من الاختطاف والإخفاء والاحتجاز والتعذيب، يكشف عن سياسة قمعية منظمة تستوجب المساءلة الجنائية.
وأكدت أن إحالة الضحايا إلى ما يسمى النيابة أو المحكمة بعد سنوات من الاختطاف والإخفاء والتعذيب لا تمحو الجرائم المرتكبة بحقهم، ولا تمنحها غطاء قانونياً، ولا تسقط المسؤولية الجنائية عن مرتكبيها أو الآمرين بها أو المشرفين عليها أو المشاركين فيها، وأن الأدلة المتعلقة بهذه الانتهاكات يجب حفظها وتوثيقها تمهيداً لمساءلة المسؤولين عنها أمام الآليات القضائية المختصة.
تحرك دولي عاجل لحماية المختطفين ومساءلة المسؤولين
طالبت منظمة “صحفيات بلا قيود” مليشيا الحوثي بالإفراج الفوري وغير المشروط عن عاصم العشاري، والدكتور علي أحمد المضواحي، ولبيب شائف العبسي، ومراد ظافر، وسامي الكلابي، وعن جميع المختطفين والمحتجزين تعسفياً من العاملين الأمميين والإنسانيين والمدنيين، ووقف التحقيقات والمحاكمات والإجراءات الصورية بحقهم، والكشف عن مصير جميع المخفيين قسراً وأماكن احتجازهم.
وحملت المنظمة مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن حياة المختطفين وسلامتهم الجسدية والنفسية، وعن أي وفاة أو إصابة أو مرض أو تدهور صحي أو نفسي يلحق بهم أثناء الاحتجاز، وطالبت بوقف التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وإخضاع المرضى والمصابين لفحوص طبية مستقلة وتوفير العلاج والرعاية العاجلة لهم.
ودعت المنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة تفضي إلى الإفراج عن المحتجزين ووقف المحاكمات الصورية، وضمان وصول جهات مستقلة إلى أماكن الاحتجاز والتحقق من أوضاعهم، وحماية العاملين الأمميين والإنسانيين والمدنيين، مشددة على مسؤولية الأمم المتحدة في حماية موظفيها والعاملين في المجال الإنساني، والتحرك الفاعل لضمان سلامتهم والإفراج عن المحتجزين منهم.
كما طالبت بإنشاء آلية دولية مستقلة لحفظ وتوثيق الأدلة المتعلقة بحملات الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز والمحاكمات الصورية التي طالت الموظفين الاممين و العاملين الانسانيين، وتحديد المسؤولين عنها وسلاسل القيادة، وفتح مسارات فعلية لملاحقتهم ومساءلتهم جنائياً أمام الآليات القضائية المختصة، بما في ذلك الولاية القضائية العالمية حيثما توافرت شروطها، وضمان عدم طمس الأدلة أو إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
وحذرت “صحفيات بلا قيود” في ختام بيانها من أن استمرار احتجاز عشرات العاملين الأمميين والإنسانيين وموظفي المنظمات المحلية والدولية، مع إحالة بعضهم إلى ما تسمى النيابة والمحكمة، يضع حياتهم وسلامتهم أمام خطر متصاعد، ويستوجب تحركاً دولياً حازماً يتجاوز بيانات القلق والإدانة إلى إجراءات ملموسة تكفل حماية المحتجزين ووقف المحاكمات الصورية، وتفتح مساراً فعلياً لمساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب.
إقرأ ايضاً ..
اليمن: عامان على اختطاف العاملين في المجال الإنساني
تقرير: صحفيات بلا قيود توثق تصاعد الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب في مناطق سيطرة الحوثيين
اليمن: مليشيا الحوثي تمضي في محاكمات صورية جديدة تمهيداً لإعدامات تعسفية بحق مدنيين في صنعاء
اليمن: مليشيا الحوثي تصدر أحكام إعدام جماعية تعسفية وتستخدم القضاء للقمع والترهيب

