English

كلمة توكل كرمان في منتدى 2000 في العاصمة التشيكية براغ

طموحات 1989 طموحات اليوم: الحاجة إلى إستعادة وعد 89 بعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب الباردة؟

الاعزاء الحضور جميعا؛
نلتقي اليوم لنعيد تأكيد كفاحنا من أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان وتوقنا القديم الجديد لبناء عالم يعمه السلام والأمن وروح المسؤولية والحرية. عالم بلا جدران وبلا حواجز بين شعوبنا وبلداننا.

عالم تتوفر فيه فرص الحياة لكل إنسان وتزال فيه حواجز المعتقد والهوية وتبنى جسور التواصل مع الآخر.

نلتقي اليوم لإعادة استشراف المستقبل في ظل ما يشهده العالم من ارتداد عن الديمقراطية وانتكاسة في التوجهات العالمية المساندة لمنظومة القيم الحديثة التي سادت في التوجهات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة نهاية الثمانينات من القرن الماضي.
في البداية دعونا نقول ان عالمنا يسوده نظام عالمي مأزوم وغير قابل للبقاء وقد آن اوان تغييره.
وعندما اتحدث عن نظام عالمي فانا اقصد هذا الارتداد الصريح عن القيم الديمقراطية وصعود الشعبويين في معاقل الدول الديمقراطية الكبرى في أوروبا وأمريكا والغرب الذي شكلت الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان عناوين سياساته وشعاراته منذ نهاية الحرب العالية الثانية.

عالمنا اليوم أقل حرية وأقل ديمقراطية عما كان عليه الحال قبل سقوط جدار برلين قبل ثلاثين عاما.
ما الذي حدث؟
أنتم هنا في هذه الدولة الفتية وأوروبا الشرقية كنتم الشعلة المتقدة بمطالب الحرية والانعتاق من أنظمة ايديولوجية قمعية حكمت بلدانها بالقهر والأسوار الحديدية لكنها سقطت في مزبلة التاريخ وطويت صفحتها نهاية الثمانينات. 

كان سقوط جدار برلين حينها وعدا جديدا لكل شعوب العالم، وعدا مبشرا بعالم جديد بلا جدران تتحقق فيه طموحات الشعوب بالحرية والديمقراطية.
اليوم أمامنا مهمة تحتاج إلى عنوان أوسع من ذلك الذي شكل طموح 89: "تغيير العالم".
طموحنا اليوم هو إسقاط جدران كثيرة ومتناسلة لا جدار برلين واحد كما كان حال الطامحين بالديمقراطية قبل 89.

 

تغيير العالم
هذا شعار مناسب لعالم أعيدت فيه الجدران بأساليب مختلفة وأكثر فتكا بالحقوق والحريات، وتلقي اليوم بظلالها القاتمة مرة أخرى على أوروبا والعالم من جديد.
سقط جدار برلين الذي جسد علامة الحرب الباردة، لكن جدرانا عديدة تبنى اليوم في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بين الدول والشعوب والحضارات والأفراد.

وبينما كانت التوقعات تبشرنا مع نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين بنمو الديمقراطيات الناشئة والتزام الدول بمعايير حقوق الانسان والحكم الرشيد، ذهب العالم في طريق آخر تراجعت فيه الديمقراطية كقيمة تحتذى في العالم كله.
صعدت موجة عنصرية في دول الغرب وحصد الشعبيون نتائج التعبئة ضد المهاجرين واللاجئين.
اختارت الديمقراطيات الكبرى سياسات مغرقة في العزلة وعدائية ضد المهاجرين واللاجئين والأقليات، وسياسات لا مبالية أمام سجل عالمي من الانتهاكات قل نظيره في التاريخ الحديث، كل ذلك بمبررات الأمن وحماية مصالحها وأمنها.

وصل الى سدة الحكم في الدول الكبرى نماذج مثل دونالد ترامب، وهو عنوان معبر بشكل صارخ عن نوعية الشعبويات العنصرية الصاعدة في الغرب.
لم تعد الديمقراطية وحقوق الانسان ضمانة يعلى من شأنها وتتخذ معيارا تشدد عليه الدول الكبرى في علاقاتها الدولية، وبدلا عنها برزت التفاهمات غير المعلنة، تفاهمات لديها من العمى ما يكفي لتتواطأ مع مذابح مشهودة وجرائم كبرى ضد الانسانية.

شنت أنظمة حروبا دامية من أجل البقاء وألقت بشعوبها في أنفاق الموت المظلمة وعادت الانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان بل وعمليات الابادة الجماعية كما حدث في سوريا. 

هذه الانتكاسة العالمية رافقها تراجع الديمقراطية وحقوق الانسان كقيمة أساسية في العلاقات الدولية، لتترك مكانها للتوجهات المنحصرة بأمن الدول، وقد انحصر في توجهات تقطع صلة الامن بالسياسة والحقوق والحريات والعدالة والديمقراطية، وتؤدي
إلى مراكمة أسباب فقدان الأمن داخل الدول وفي العلاقات الدولية.

عادت العلاقات الامبراطورية بين دول كبرى واقليمية طامحة باستعادة السيطرة ورسم خرائط النفوذ، بدلاً من الشراكة العالمية القائمة على الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية وبمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.

أمن الدول والديمقراطيات الكبرى أعماها عن رؤية عشرات الآلاف من البشر يقتلون في حروب الديكتاتوريات المستبدة والأنظمة الساقطة في بلدان الربيع العربي.

الأصدقاء والصديقات؛
تطورت وسائلنا وأدواتنا وتكنولوجيتنا ولكن على النقيض من هذا التطور الرقمي والمعلوماتي نلحظ توجها عالميا لمزيد من الانعزال ورفض "الغرباء" وتصويرهم في لبوس الشياطين والمهددين للأمن والنظر إليهم بعيون الارتياب، بل والكراهية والاتهام، لكأن "الارهاب" صار عقيدة عالمية للحكومات والدول وليس حالة منحرفة تجسدها منظمات إرهابية يتفق العالم على تجريمها والتعاون للقضاء عليها.

في عالمنا اليوم مئات الآلاف من الناس الذين انقطعت بهم السبل ووجدوا انفسهم في العراء جراء الحروب وإنهيار الدول، وإن معاييرنا لحقوق الانسان تلزمنا بجعل معاناتهم قضية عالية في صدارة اهتمامنا.

الأمن لا يستقر بالعزلة والعنصرية وإستبطان الارهاب لتبني إرهاب مضاد يصنف الشعوب والمجتمعات والأمم كأعداء ويضعها في خانة "الارهاب".

هذه العنصرية الصاعدة في دول الغرب تثير مخاوفنا وتشكل اليوم التحدي الأساسي امام الحركة المدنية العالمية التي تكافح من أجل نشر قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.

نحن نعيش في عالم واحد تربطه مصالح متشابكة وعلاقات متداخلة. لا طريق أمامنا سوى إصلاح هذا العالم، عالمنا كلنا في الشرق والغرب والشمال والجنوب.

ولمثل هكذا توجهات نجتمع هنا لنرفع صوتنا ونعبر عن إصرارنا لبناء رؤية عالمية متشابكة تعيد تعريف البشر بإنتماءاتهم المشتركة والمصالح التي تجمعهم والمصير المشترك لحياتهم وعالهم.
رؤية مشتركة لتحقيق الوعد الؤجل منذ نهاية 89.

**
ننتمي لجغرافيا سياسية تشهد انتهاكات واسعة لحقوق الانسان وحروبا دامية، وواجبنا أن نعبر عنها في فعالية ذات أهمية عالية كهذه التي نلتقي فيها اليوم.

فقدنا الكثير، ووجدنا أنفسنا في مواجهة نظام عالمي من الانتهاكات يتآمر فيه المتسلطون من أول بندقية تطلق الموت في وجوهنا وحتى أعلى المنابر والكراسي في الدول الكبرى والمؤسسات الأممية.

في بلداننا التي ثارت شعوبها من أجل الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان واجهنا أهوالا وليس إنتهاكات.
واجهنا إقتلاعا وليس إنتهاكات.
واجهنا حروبا شاملة ضد شعوبنا وليس إنتهاكات.
واجهنا قتلاً بالجملة وليس إعتقالات.
واجهنا مذابح جماعية. واجهنا إخفاءات وتعتيم على المجازر والقتل الجماعي وقصف شامل للمدنيين. واجهنا انقلابات وحركات دينية متطرفة دُعمت لتوطين الحروب الأهلية داخل بلدان الربيع العربي. 

لقد شنوا حروبا قذرة ضد ثوراتنا السلمية وتداعت المصالح من قلب الديمقراطيات الكبرى الى الأنظمة اللكية والثيوقراطية في السعودية وإيران لتواجه ثوراتنا السلمية بوسائل متنوعة ومتعددة المسميات.

نتكلم أمامكم لنقول ان مهمة المجتمع الديمقراطي العالمي ان يساندنا، ويقول للعالم حقيقة ما حدث لنا. أن تقف الإنسانية أمام ما تعرضت له شعوبنا.
أن يشار إلى القتلة ومرتكبي الجرائم ضد الانسانية كمجرمين وينبذوا ويعاقبوا لا أن يفرش البساط الأحمر أمامهم ويستقبلون كرؤساء دول بينما هم قادة عصابات.

تجاربنا القاسية تزيد من إيماننا بالديمقراطية وحقوق الانسان وضرورتها وإستحالة العيش بدونها.

وبعد سجل مروع من القمع والحروب التي تعرضت لها الموجة الأولى للربيع العربي هاهو اليوم يعود من جديد في موجته الثانية من الجزائر والسودان ومصر والعراق.

شعوبنا التواقة للحرية والديمقراطية وحكم القانون بدأت الوجة الثانية من الربيع العربي.

ان القوى الديمقراطية العالمية قضيتها واحدة في مواجهة النكوص عن الديمقراطية في الغرب ومساندة الثورات الشعبية الطامحة للحرية والديمقراطية في البلدان العربية.
ننتمي الى قضية الإنسان وطموحه للحرية والديمقراطية.

ولعل العالم يدرك اليوم ان مساندة الاستبداد والديكتاتورية وغض الطرف عن سجلها المروع يضع العالم كله في طريق الارتداد والنكوص، وليس صعود الشعبويات العنصرية في اعرق الديمقراطيات سوى ملمح من هذه الانتكاسة التي تعم العالم. 

أعزائي عزيزاتي؛
عالمنا اليوم يعيش حالة تحول لا مثيل لها، وما كل هذه الاختلالات والحروب وإنبعاث العنصرية إلا دلائل على نهاية العالم القديم وتهالكه. العالم القديم ينهار والعالم الجديد لا زال غائما وبلا ملامح ، ولكنه سيأتي بإرادتنا وقوة ايماننا بالحياة التي نستحقها.

العالم الجديد لن يكون الا ما نؤمن به. وكلما كانت قوة ايماننا بحقوقنا وإنسانيتنا وآدميتنا وكرامتنا وحريتنا راسخة في ذواتنا كلما اقتربنا من الحياة التي نريد والعالم الذي نتطلع اليه ونأمل به وبقدومه.
فاض الكيل من الظلم والموت والحروب وآن اوان التغيير من أجل عالم جديد تصان فيه الحقوق والحريات وقيم الديمقراطية والعدالة وتحترم ارادة الشعوب.

عالم جديد يبدأ من إيماننا بقدرتنا على الفعل والتغيير واعادة تشكيل العالم وجعله أكثر إنفتاحا وأقل قيوداً. مكاناً ملائماً للعيش وزاخرا بفرص الحياة وإثبات الذات لجميع البشر.

***
الأصدقاء والصديقات، الحضور الكرام ؛

مثل كل يمني في بلدي أثقلت كاهله الحرب المستمرة منذ خمس سنوات أحلم بالسلام. السلام الذي يعيد لبلدنا الدولة والأمن والاستقرار وينهي الوصاية السعودية والاحتلال الاماراتي وإنقلاب الميليشيات الحوثية والإنفصالية.
نناشد العالم مساندتنا لإيقاف الحرب ورفع يد السعودية والإمارات عن اليمن.
السلام مطلب الشعب اليمني الذي يدفع ثمن الحرب والانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، والوصاية الخارجية لتحالف الرياض وأبوظبي الذي قصف اليمن وألحق بها دمارا هائلا.
نناشد العالم مساندتنا لإيقاف الحرب وإطلاق سراح المعتقلين والأسرى ورفع الحصار الحوثي عن مدينة تعز ورفع الحصار الخارجي عن اليمن ونزع حقول الألغام وفتح الممرات الآمنة لتنقل المواطنين بين المدن اليمنية وتسهيل عمل منظمات الإغاثة العالمية، والبدء بحوار وطني شامل لإنهاء الانقلاب والاحتلال والعودة لاستكمال مهام المرحلة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

أحييكم مرة أخرى أعزائي عزيزاتي وأشد على أياديكم في كفاحكم من أجل عالم يسوده السلام الحرية والديمقراطية وتصان فيه حقوق الانسان وكرامته.