English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان في مؤتمر "يمن ما بعد الحرب..رؤية استشرافية" - اسطنبول/تركيا

في البداية مرحبا بكم جميعا..اود في البداية ان اعبر عن مدى سعادتي بهذا اللقاء الذي ارجو ان يسهم في فهم اكثر عمقاً وادراكا للازمة والحرب في اليمن.انه من المهم ان نلتقي بين الحين والآخر نتداول الحديث ونتبادل الافكار فيما بيننا، حول القضايا التي تقع ضمن اهتماماتنا المشتركة وهذا يساعدنا على رؤية الامور بصورتها الواقعية ويجعلنا اكثر قدرة على استشراف المستقبل.

كلما حاولت التفكير في استشراف رؤية مستقبلية حول واقع اليمن ما بعد الحرب اجد ان تحديد مفهومنا لكيفية انهاء الحرب مرتبط ارتباطا لا ينفصم عن الرؤية المستقبلية ليمن ما بعد الحرب.
من المهم تحديد مفهوم نهاية الحرب وما هي الاوضاع التي نقول عندها ان الحرب في اليمن قد انتهت، وان علينا نبدأ بعد ذلك بتحديات اليوم التالي لما نسميه في هذا اليوم انتهت الحرب.
هذه التحديات واضحة وضرورية حتى لايفاجأنا من عبثوا باليمن واستباحوها خلال سنوات الحرب الخمس باتفاقات ترتدي رداء السلام تعد من قبل القوى الخارجية المتصارعة في اليمن وأدواتها في الداخل، لتستكمل من خلالها تحقيق اهدافها من الحرب وتضفي المشروعية على تقسيم اليمن ووضع الدويلات الميليشاوية كواقع نهائي.
الميليشيات الحوثية وهي من بدأت الحرب وانقلبت على الدولة لا تنتهي الحرب لديها إلا بفرض سيطرتها بقوة السلاح وفرض دولة تشبهها بديلة للدولة الوطنية واخضاع المجتمع وفرض هيمنتها الشاملة على موارده وثرواته ومؤسساته التعليمية وعلى حياته بمجملها، وهي حركة لا تظهر أي مرونة للقبول بتسوية سياسية تكون هي فيها مكون من مكونات المجتمع وجماعة سياسية تقر بالدولة مرجعية لكل قوى المجتمع.
السعودية تنتهي الحرب بالنسبة لها اذا عكست ادارتها للحرب اليمنية في اتفاقيات جزئية تبارك احتلالها ووصايتها على يمن تسوده اللادولة لضمان عدم تأثير الوضع في اليمن على أمنها وانتفاء ما تسميه اي تهديدات تأتيها من اليمن، ناهيك عن مصالحها في اليمن التي لا تنتهي بصفقات بين امراء الحرب الداخلية ودول الوصاية الخارجية الحريصة على مصالحها والتي لا يهمها خروج اليمن من الحرب دولة واحدة مستقلة وموحدة تتوفر لها مقومات الامن والاستقرار.
الحرب لا تنتهي بانتزاع والاعتراف بمشروعية وجود امراء الحرب وميليشياتهم ليتخذوا من هذا الاعتراف قاعدة صلبة لمواصلة حروبهم والحفاظ على اقتصاديات الحرب التي بنوها على حساب مجتمعهم وشعبهم ودماء اليمنيين وآلامهم.
أي نهاية للحرب اذا تمزقت اليمن الى دويلات تديرها الميليشيات التابعة لايران والسعودية والامارات؟
أي نهاية للحرب اذا ذهبنا الى اتفاقيات تضفي المشروعية على الفوضى وتقر بقبولنا باللادولة ونهاية الجمهورية والوحدة ومخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور ومشروع الدولة الاتحادية والاقاليم؟
أي نهاية للحرب هذه التي تفضي إلى نهاية الجمهورية اليمنية والكيان الوطني الموحد لليمن والشخصية الدولية لدولتنا وجمهوريتنا؟
هذه الاسئلة ليست ترفاً ولا تمسكاً بحرب نحن أول من رفضها وحذر منها بقاء الوصاية هو اعلان حرب مستدام على اليمن، بقاء الميليشيات دويلات داخل الدولة هو حرب وبقاء للحرب واستمرار لها.
الحرب تنتهي بعودة اليمن لا بتمزيقها، الحرب تنتهي بعودة دولة الجمهورية اليمنية صاحبة السلطة الكاملة والشاملة على كل الارض اليمنية من صعدة إلى المهرة ومن صنعاء إلى سيئون ومن سقطرى إلى عدن وباب المندب وكل شبر على الارض اليمنية.
المرجعيات الثلاث ليست أوراقا يمكن تجاوزها وتلفيق اتفاقيات سلام مزيفة خارجها، إنها محددات لانهاء الانقلابات وعودة الدولة إنها تمثل أهداف اليمنيين وطريقهم الضامن لانهاء الحرب وتحقيق السلام. على هذا سيكون حديثنا عن استشراف آفاق ما بعد الحرب منطلقاً من أوجاعنا وقضيتنا وادراكنا بواقعنا وما يواجهنا من تعقيدات وما يتطلبه منا من ارادة تحد لتجاوز كل تلك المعيقات والانتصار عليها.

الاصدقاء الاعزاء..
كما تعلمون كانت اليمن على وشك الاستفتاء على الدستور الجديد واجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وفقاً للدستور الجديد الامر الذي يمنح العملية السياسية اليمنية مزيداً من عوامل التطور والايجابية، ففي النهاية نحن نعرف بلدنا جيدا فغالبا ما يكون الصراع على السطلة وتحقيق النفوذ وبصورة غير عادلة لذا يجب ان نتمسك بحقنا في بلد ديمقراطي تعددي يحترم الحقوق والحريات وحكم القانون ويحتكر حق العنف والجباية مالم فان الاوضاع لن تشهد استقرارا بأي حال من الاحوال.
يمكننا تلخيص ما حدث ويحدث في اليمن بعبارات بسيطة وموجزة في البداية، كان هناك تحالف رباعي للثورة المضادة يضمن الحوثيين والمخلوع علي صالح والسعودية والامارات، يهدف هذا التحالف لتقويض ثورة فبراير وما ترتب عليها، تضمن الاتفاق قيام جحافل الحوثيين وقوات صالح وحزبه باسقاط العاصمة صنعاء ولا مانع من التحرك قليلا إلى ما بعد صنعاء شريطة ألا تصل تلك الجحافل إلى عدن، لاحقاً تحرك الشريك المحلي أو تجاوزهم (الحوثيون وصالح) الخط الاحمر الذي وضعته له قيادة الثورة المضادة في السعودية والامارات حيث توجه إلى عدن فكانت الحرب التي أعلنها التحالف وقاد كل تفاصيلها لتحقيق اهداف واستراتيجية واجندة غير معلنة خاصة به، كان المعلن اعادة الشرعية واسقاط الانقلاب وتمكين الشرعية ومشروعها وفق المرجعيات الثلاث ولكن غير المعلن وهو الهدف الحقيقي لهذا التحالف بقيادة السعودية والامارات كان صناعة انقلابات وتمردات كثيرة في كل محافظة من محافظات اليمن وتمكين تلك الميليشيات التي تمول وتدار فقط من قبل التحالف وللاسف فان كثيرين رضوا بان يكونوا مجرد ادوات في يد التحالف في هذه الحرب اتباعاً لا شركاء عملاء لا قادة، يستوي في ذلك حسن النية وسيء النية مقابل هذا الوضع تزدهر بعض الشعارات الكبيرة مثل دخول صنعاء واسقاط الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة دون بذل اي جهود حقيقية لمعالجة هذا الخلل الذي يسود العلاقات بين الشرعية والتحالف بدرجة اساسية.
لنضع معادلة جديدة لمواجهة هذا العبث الذي يطال حاضرنا ومستقبلنا اولا وقبل أي شيء ان تحرير صنعاء يبدأ بتحرير القرار الوطني وان اسقاط انقلاب الحوثي مرهون بالتحرر من الهيمنة والاحتلال السعودي الاماراتي للبلاد.
في الحقيقة لن يكون بمقدورنا استعادة دولتنا فضلا عن جمهوريتنا ونحن مرتهنون بصورة تامة للسعودية والامارات. لقد شوه التحالف السعودي الاماراتي المعركة مع الانقلابيين (ميليشيا الحوثي)، ولست أذيع سرا هنا عندما أقول إن الميليشيا والقوات التي انشأها التحالف تكن لبضعها البعض عداوة يفوق ذلك الذي تكنه للحوثي وميليشياته، مفضلة ان يبقى الحوثي حاكما على صنعاء على ان تحررها منه قوات الجيش الوطني التي جرى ويجري تنميطها بانها قوات حزب الاصلاح. تذكروا ان صنعاء تم إسقاطها ومباركة إسقاطها من قبل قوى كثيرة تزعم اليوم انها تحارب الحوثي بحجة اسقاط حزب الاصلاح.
طبعا انا هنا لست لأشيد بحزب الاصلاح فهو الآخر ومنذ بدايات حرب التحالف مختطف القرار ومجرد اداة بيد السعودية مثله مثل المجلس الانتقالي وقوات النخبة وقوات طارق وغيرها من الميليشيات الكثيرة والصغيرة التي يضبط ايقاعها المحتل ويحركها متى اراد وكيفما اراد وحيث اراد.
وعلى الجانب الآخر لا يبدو ان ميليشيا الحوثي تختلف عن تلك الجماعات المرتهنة للسعودية والامارات فهي تؤدي دورها في هذه الحرب التي تستهدف اليمن كدولة تسعى لتحجز مكانها ضمن الدولة الديمقراطية في المنطقة. ولعلكم تلاحظون كيف اوقف الحوثي حربه الخارجي ضد السعودية والامارات بالتزامن مع قيامه باجتياحات داخلية جديدة على جبهات شبه متوقفة، وهذا لا يشي بوجود اتفاق وتوافق مع المحتل الخارجي الذي سبق له ان توافق معه على اسقاط صنعاء فحسب بل يقدم أدلة قاطعة بان دعواته للمصالحة والاصطفاف الوطني ليست سوى أكاذيب ودعوات غير صادقة هدفها فقط كسب الوقت وذر الرماد في العيون. 

نتيجة كل ذلك كما تعلمون فإن اليمن تعيش حروبها على أكثر من صعيد وأزمات انسانية متصاعدة دعت العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية أن تصف ما يحدث في اليمن بالكارثة التي تتعاظم يوما بعد يوم. ورغم وضوح الاطراف التي ساهمت في تعقيد الازمة اليمنية فان البعض يسعى للتعتيم على حقيقة ما يحدث اعتقادا منه أن صرف الانظار حول المنتهك أمراً ممكناً وهو الامر الذي بالتأكيد بعيد المنال، لذا يجب اعطاء الموضوع اليمني الاهتمام والتفاعل اللازمين، فمن الصعب استمرار حالة التجاهل غير المفهومة تجاه الانتهاكات المستمرة ضد الدولة اليمنية والمواطنين اليمنيين الذين باتوا رهائن عند قوى وجماعات تتصرف خارج حدود القانون وخارج الاعتبار الانساني.

الاصدقاء الاعزاء..
في خضم هذه الحرب المدمرة التي تجرف الحياة في بلادنا هناك اصرار على تعويم الاخطاء وتبرئة المتسببين في ما وصلنا إليه اليوم الذين بيدهم القرار السياسي والقوة هم من يجب ان يلاموا على تردي الاوضاع وليس ناشطاً هنا، وكاتبة هنا، وثائرة هناك.
من المؤسف ان تتعامل الشرعية اليمنية مع كل الانتكاسات وكأن هذا الامر لا يعنيها وليس من ضمن مسؤولياتها واختصاصاتها شيء مخجل حقا. دعوني أؤكد هنا بان الشرعية تحولت الى اداة تشرعن للمحتل الخارجي احتلال البلاد، الشرعية ليست شيكا على بياض وهي ليست اشخاصا مرتهنون للمحتل والوصاية الخارجية. الشرعية استحقاقات وواجبات ومهام وبهذا المعنى فان الذين سوف يرفضون كلا الاحتلالين الداخلي والخارجي ويتمردون عليهما معا ويعملون من اجل استعادة الجمهورية وتمكين المشروع الاتحادي هم وحدهم الشرعية، وهم وحدهم الشرعية.

هناك فراغ في السلطة، القرارات التي يكتبها السفير السعودية وتذيل بتوقيع هادي ورئيس حكومته لاتمثلنا ولا شرعية او مشروعية لها. هادي في أحسن حالاته عاجز ما يجعله غير صاحب صفة وتجعل قراراته غير ملزمة لليمنيين طالما وهو عاجز مقيد الحرية لايستطيع ان يقول (لا) للسفير السعودي فضلا عن من هو اكبر منه.

اذا استمرت حالة الاستلاب السياسي هذه فانه سيكون على عاتق قوى الداخل الميدانية والمحافظين والقادة العسكريين والمقاومة الشعبية اعلان قيادة ميدانية داخلية تضطلع بمهمة تحرير اليمن من الميليشيا ومن الوصاية والاحتلال الخارجي وتعبر عن مصالح البلاد وسيادتها واستقلالها. هذه دعوة لهم للبدء في هذه العملية وسرعان ما سيلتف حولهم شعبنا ويعترف بهم العالم ويحترمهم ويتعامل معهم. وعلى هذه القيادة الميدانية ألا تطيع أي توجيهات تأتيها من الرياض حتى ولو كانت مذيلة بتوقيعات هادي ورئيس حكومتهم وأن ترهن طاعتها لهم بتحررهم الكامل واستقرار قراراتهم عن السعودية وتحالفاتها، والى ان يحصل ذلك فهم وحدهم الشرعية وما يصدر عنهم يحمل طابع المشروعية مهام واستحقاقات، فالشرعية مهام واستحقاقات لا يختزلها اشخاص مرتهنون في الرياض ولا يصدر عنهم بالمحصلة إلا ما يهدم المشروعية اليمنية ويحول دون تحقيقها كمهام واستحقاقات.

ايها الاعزاء..
هذه ليست دعوة لليأس وليست إعلان هزيمة شعبنا امام المحتل الداخلي والخارجي فما يحققانه من انتصارات ليست سوى انتصارات زائفة ذلك ان معركة اليمنيين الكبرى من اجل استعادة الجمهورية وتحرير البلاد من الاحتلال والوصاية لم تبدأ، لكنها ستبدأ لامحالة وستذهب الى منتهاها. انها معركة الاجيال اليمنية التي سنخوضها جميعا كل من موقعه تبدأ الخطوة الأولى باقرار ان كلا الاحتلالين الداخلي والخارجي وجهان لعملة واحدة وهما خصوم لشعبنا واعداء لاحلامهم في الحرية ودولة المواطنة والديمقراطية هم كذلك حين يتفقان وحين يختصمان. هذه معركة معركتنا الكبرى التي سنخوضها معا حتى نصل الى دولتنا المنشودة التي تقوم على اسس المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون والتقدم العلمي وتقديس العمل.

الاعزاء جيعاً..
على مدى السنوات الماضية كان هناك الكثير من الحديث حول السلام والقليل من العمل لتحقيقه، غير أن السمة الغالبة على تلك المبادرات هي افتقارها لمقومات النجاح. جرى الخلط بين وقف الحرب واقامة سلام بصورة متعمدة. ان وقف الحرب ليست إلا خطوة من خطوات بناء سلام حقيقي ومستدام. لعلكم تقرؤون بين الحين والاخر وكلما استجد الحديث عن السلام في اليمن وضرورة انهاء الحرب عن ضمانات تطالب بها السعودية في حالة أي اتفاق سلام من أجل انهاء الحرب في اليمن. تطالب السعودية بضمانات لأمن حدودها وعدم اطلاق الصواريخ من اليمن باتجاهها، هذه المطالب لا تمثل واقع الحال في اليمن، السعودية ادارت الحرب لوضع اليمن تحت وصايتها يمن ممزق تعمه الفوضى وتدير قطعه الممزقة وتتحكم بها مثلما تتحكم بمسار الحرب. نحن من يطلب ضمانات لإلزام السعودية برفع وصايتها عن اليمن والالتزام ببناء ما دمرته الحرب التي كانت طرفاً فيها. أمن السعودية وحدودها لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يتحقق عبر اتفاقات جانبية بين السعودية وميليشيا الحوثي ولا بينها وبين ميليشيا المجلس الانتقالي او اي تكوينات ميليشياوية خارجة عن الدولة. لن تحافظ السعودية على أمنها وحدودها الا مع الدولة اليمنية كاملة السيادة، الحدود ليست حاجزاً أمنياً بقدر ما هي اتفاق بين دولتين. الحدود تمتد الى العمالة اليمنية في السعودية التي تتعرض لما يشبه الحرب الشاملة من قبل السلطات السعودية، الحدود ليست من طرف واحد ولا تحمى بإغراق اليمن بالفوضى واهدار سيادته وتجاوز دولته، الحدود لا تحمى باتفاق يبرم مع امراء الحرب والميليشيات خارج القانون الدولي، الحدود نتاج اتفاق وتفاوض بين دولتين كاملتي السيادة دولة المملكة العربية السعودية ودولة الجمهورية اليمنية، وتقوم على اعتراف متبادل بالسيادة وحق كل دولة بالامن والاستقرار وبناء مصالح متبادلة وعلاقات حسن الجوار القائمة كذلك على حفظ المصالح المشتركة للبلدين والشعبين وليست بطرف واحد على حساب الاخر وسيادته ومصالحه. إنها حدود بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية وليست بين السعودية والفراغ المستباح في اليمن، حدود بين الدولة السعودية والدولة اليمنية لا حدود بين السعودية وميليشيات المجلس الانتقالي أو السعودية وميليشيات الحوثي، الحدود تقام لتوثيق وتنظيم العلاقات والتعاون وتبادل المصالح بين دولتين معترف بهما ولم ترسم لتمكين السعودية من أجل استباحة اليمن تحت ذريعة حماية حدودها.
الحديث عن ضمانات أمن حدود السعودية من طرف واحد تعبير صارخ عن ان السعودية لا ترى اليمن أو لا تريد ان ترى اليمن كبلد مجاور له مصالحه وكيانه المستقل.
بذريعة حماية حدودها وضمان امنها اختارت السعودية أن تحول اليمن إلى فضاء مستباح ومحاصر تسوده الفوضى والحرب المستدامة، اما عودة الدولة اليمنية فقد أثبتت احداث خمس سنوات من الحرب ان ذلك آخر ما تفكر فيه.

رؤيتنا ليمن ما بعد الحرب تقوم في حرفها الاول على خروج اليمن من الحرب بلداً موحداً مستقلاً بدولة واحدة تمثل شرعية الجمهورية اليمنية وشخصيتها الدولية، أما استمرار سلطات الامر الواقع الميليشياوية في صنعاء وعدن واستمرار الوصاية الخارجية للسعودية والامارات أيا كانت صيغتها او شكلها فهو استمرار للحرب وبقاء اليمن مجزءا ومقطع الاوصال ومستباحا من قبل الوصاية الخارجية، وأي اتفاق للسلام وانهاء للحرب لا يضع حداً لتعدد سلطات الدولة الميليشياوية سيكون اتفاقا لتمديدها وليس اتفاقا لانهائها. من المهم التأكيد على ذلك مرارا وتكرارا لان ما يطبخ الآن شيء آخر. من المهم التأكيد على ذلك تكرار ومراراً ونحن نتطلع للسلام وانهاء الحرب واستشراف تحديات اليوم التالي لانهائها ورؤى اعادة بناء الدولة والروابط المجتمعية التي مزقتها الحرب واعادة بناء ما دمرته خمس سنوات من التعبئة الطائفية والكراهية والحرب التي وصلت تأثيراتها إلى كل مجالات الحياة والى كل بيت. الاتفاقات الجزئية التي يتم طباختها الان تمد في عمر الحرب وتغيب القضية اليمنية الاساسية وتدفع البلاد الى مراحل اشد قتامة ومأساوية.
هناك شرط واحدة لتحقيق السلام المستدام في اليمن وما عداه خضوع لما تريده الميليشيات الحوثية والمحتل الخارجي، يمكننا ان نلخص هذا الشرط باستئناف العملية السياسية من حيث توقفت، وتتضمن هذه العملية سحب السلاح من كافة الميليشيا والجهات لتغدو الدولة اليمنية وحدها صاحبة الحق الحصري في امتلاك السلاح واستخدامه ويمضي الجميع لاستكمال الاستفتاء على الدستور واجراء الانتخابات المختلفة بناء عليه، وهي الخطوات التي توقفت بفعل الانقلاب والحرب. هناك تفاصيل كثيرة يمكن بحثها تحت هذا الشرط الذي يعتبر جوهر الشرعية ويختزل كل المرجعيات المسنودة بعشرات القرارات الدولية.

ان اي مساع للسلام بعيدة عن ذلك لا تخرج عن كونها جهود لاخضاع اليمنيين للامر الواقع الذي تمليه القوة الغاشمة للانقلاب الحوثي والمحتل السعودي والاماراتي على السواء ومن يفعل ذلك يسدي لشعبنا سلام ولا يصنع معروف، وانما يصنع بذور صراعات لن تتوقف وحروب لن تنتهي. اليوم ونحن ندخل العام الخامس من حرب بلا افق رغم ذلك أنا على ثقة تامة من عظمة شعبنا وكبريائه الذي لن يقبل بالعبودية للامامة الحوثية ولن يقبل بتمزيق بلدنا ولن يقبل بالوصاية الخارجية واطماعها، اليمن عصية على الامامة والتقسيم ولن ترضخ لوصاية السعودية والامارات.
هذه حقائق التاريخ وسنعيدها بإرادتنا الصلبة وتمكسنها بقضيتنا العادلة وانتمائنا لليمن وتضحياتنا من اجلها، اليمن الجمهوري الديمقراطي الذي من اجله اشعل الاباء ثوراتهم وخاضوا نضالاتهم وفي سبيلها اشعل الابناء ثورة فبراير المجيد، وهم مستمرون بالكفاح والعصيان والرفض حتى يتحقق هذا الهدف ويعبرون بشعبهم الى هذا الحلم، لأن احلام الشعوب لا تموت وثوراتها تستعصي على النسيان وتضحياتنا لا تذهب ادراج الرياح.
ختاما اود ان اشكر ضيوف المؤتمر القادمين من خارج تركيا ومن داخل تركيا كل باسمه وصفته، واريد ان ارحب تحديدا بالاستاذ احمد طعمه رئيس الحكومة السورية السابقة، ورئيس الوفد التفاوضي السوري الحالي، النصر لسوريا واليمن والنصر للربيع العربي. ولا يفوتني في هذه المناسبة ان أعبر عن شكري وامتناني وفخري بقيادة مؤسسة توكل كرمان والمديرة التنفيذية السيدة مسك الجنيد وجميع فريقها الرائع شكرا لها شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.