English

كلمة توكل كرمان في مؤتمر "عرب المستقبل.. من أمة الرعايا إلى أمة المواطنين" - اسطنبول

في البداية، أودُّ أن أعبرَ عن سعادتي بانعقادِ هذا المؤتمر، الذي يضم شخصياتٍ من أفضلِ النخبِ العربيةِ السياسية والثقافية والاجتماعية، المؤمنين بحال أمتِنا وسبلِ نهضتها وتقدمها. إنه لفخرٌ كبير أن أكون جزءًا من هذا اللقاءِ الكبير الذي يتلمس المستقبل العربي، المستقبلِ الذي لا ينبغي أن يشبه الماضي أو الحاضر، اللذَينِ يتحكمُ في كثيرٍ من تفاصيلهِما قوى الثورةِ المضادة، من ميليشياتٍ متطرفةٍ وعسكر، وعائلاتٍ مستبدةٍ تحتكرُ السلطةَ والثروة، وتمارسُ الإرهابَ ضدَّ المجتمعِ بدرجةٍ أولى، وتعملُ على تحويلِ الشعوبِ العربية إلى أشخاصٍ مسلوبي الإرادةِ لا يقدرونَ حتى على الحلم، فضلاً عن البوح به، أو ممارسةِ أيِ شكلٍ من أشكالِ التعبير وإثباتِ الذات.


‎الأصدقاء الأعزاء

‎مع نهاية ألفين وعشرة وبداية ألفين وأحد عشر، بدأ الربيعُ العربي يشقُ طريقَه من تونس، مرورا بمصر، واليمن وليبيا وسوريا، كان مشهدا مهيبا، دفع العالمَ  لاكتشافنِا من جديد، فعلى مدى عقودٍ طويلة، كان يتم النظرُ إلى المنطقةِ العربية بأنها عصيةٌ على التغيير، وغيرُ قادرةٍ على بناء ديموقراطيات ناجحة،

 

‎وظهرت في الغرب أطروحاتٌ كثيرةٌ تناقشُ العلاقةَ بين العربِ والديمقراطية، والعلاقةَ بين الإسلامِ والديمقراطية، وهل الإسلامُ بطبيعتِه يقفُ ضدَّ الديمقراطية، وهل ثقافةُ المجتمعاتِ العربيةِ تعد إحدى كوابحِ الحريةِ وإحدى عوائقِ الانتقالِ الديمقراطي؟

 

‎لقد أطاحت ثوراتُ الربيع العربي بتلك الأطروحات التي كانت تسعى لتنميطِ شعوبِ المنطقة العربية، ووصفِها بشعوبٍ تملك جيناتِ التخلفِ والعجز ،ومعاداةِ القيمِ المدنيةِ العالمية، كالمدنيةِ والحريةِ وحقوق الإنسان، وعدمِ اضطهاد النساء.

 

‎لقد أثبت الربيعُ العربي أن شعوبَ منطقتنا تتوق للحرية، ولبناءِ دولٍ تقوم على أسس المواطنةِ وحقوق الإنسان، والنزاهة، ومحاسبة ِالحكام، وبرهنَ على ذلك بتبنيه الخياراتِ الديمقراطية، بما في ذلك الانتخاباتُ وبناءُ التوافقاتِ بين قوى المجتمع السياسية والمجتمعية، وتقديمُ خطابِ التسامحِ على ما سواه، وهو الأمرُ الذي كان يثيرُ امتعاضَ البعض، وخوفَ البعضِ الآخر، وبالتقاءِ فريقِ الممتعضين وفريق الخائفين من الديمقراطية، بدأت مرحلةُ الثورةِ المضادة التي استخدمت المالَ والقوة الهمجية لمنعِ أي تطورٍ حقيقيٍ في المنطقة، مصممةً على إثباتِ أن الديمقراطيةَ والحرياتِ لا يصلحانِ للعرب، وأن العرب لا يصلحون لهما.

.

‎الأصدقاء

‎وقد يكونُ من المناسب، أن أشيرَ إلى الدورِ غيرِ المشرّف للحكومات الغربية، الذي كان داعما للانقلاب على الديمقراطية، لقد تحدثَ الغربُ طويلا عن أهميةِ الديمقراطية، وعندما حانت ساعة الحقيقة، وقف إلى جانبِ أعداءِ الديمقراطية، يمكن القولُ إن الغربَ قد تحول في نظر كثير من الشعوب العربية إلى مقاولٍ يمارسُ الخداعَ والتجارة الحرام، لذلك عندما يتحدث مسؤول غربي عن ضرورة احترام حقوق الإنسان في هذا البلدِ العربي أو ذاك، يبدأ المستمعون في نوباتِ ضحكٍ لا تنتهي.

.

 

‎الأصدقاء الاعزاء.

‎إن المستقبلَ الذي لا يتضمن المواطنةَ وسيادة القانون والتداولَ السلمي للسلطة والحرياتِ وحقوقَ الإنسان، لم يعد يقبل به أحد. نحن لسنا استثناءً، بل نحن قادرون على إعادةِ الكرةِ من جديد، وإسقاطِ الاستبداد بكل مستوياتِه وأنواعه.

‎نحن هنا اليوم، لنؤكدَ إيماننَا الثابت واعتقادَنا المطلقَ أن الشعبَ وحدَه صاحبُ السيادة، ومصدرُ السلطات، يمارسُها عبرَ انتخاباتٍ حرة ، وما عدا ذلك يعدُ ضربا من ضروبِ اغتصابِ السلطة، و من الخزي والعار والقبحِ أن يستمرَ في عالمِ اليوم. ونتعهدُ بمناهضتِه في كفاحٍ أخلاقيٍ ووطنيٍ وإنساني مقدسٍ ومستمر، لا يسبقه شيءٌ ولا يعلو عليه شيء، حتى نعبَر بشعوبِنا وأمتِنا الى ضفافِ الحرية والكرامة والرفاه.

 

‎ولنؤكدَ على سلميةِ نضالنِا الواجب و المستحق، في أن الكفاحَ السلمي من أجلِ إحداث التغييرِ المنشود خيارٌ استراتيجيٌ لا ارتدادَ ولا رجعة عنه، وأن اللجوءَ للعنف من أجل التعبير عن المطالب، بنفس القدر الذي يمثلُ إدانةً للأنظمة المستبدة التي أوصلت البلادَ إلى حالةٍ من الفشلِ والانسداد السياسي إلى مستوى لم يعد بإمكان الناس تحملُه او التعايشُ معه، ينال أيضا من عدالةِ القضية وينطوي على كوارثَ حقيقية، ولا يسفر عن أي تطورٍ سياسيٍ خلاق، بالإضافةِ إلى كونه أقلَّ جدوى وأعظمَ كلفة

 

‎نحن هنا اليوم نجددُ تأكيدنا وإيماننا العميق بأن المواطنَة هي أساسُ الانتماء، وأن دولة المواطنين لا الرعايا هي الغايةُ النهائيةُ لكفاحِنا ومنتهى أحلامنا، التي نصرَّ على بلوغِها مهما كان الثمنُ ومهما كانت التضحيات، على درب كفاحِنا السلمي العظيم.

‎نعلم مسبقا أن هذا الدرب مليءٌ بالأشواكِ وليس مفروشا بالورود، وأيا كانت الكلفةُ فهي مستحقة، وتلك هي ضريبة الحرية، التي لا تأتي منحة أو هبة من أحد

 

‎أثق أننا نتشاركُ ذاتَ القناعةِ والإيمان، بأن ثوراتِ الربيع العربي، مثلتْ ذروةَ كفاحِ أمتِنا ضدَّ الاستبداد، وكانت تعبيرا عن ضيق الشبابِ العربي بدولة الفسادِ والفشلِ والمحسوبية، وتعبيرا عن رفضِهم لدولةِ الفرد والعائلة، وتطلعِهم لدولةِ المواطنةِ المتساوية الضامنة للحقوق، والكافلةِ للحريات والعدالة الاجتماعية، برغم كل مؤامراتِ الثورات المضادة وحلفائِها الإقليميين والدوليين، وما أحدثته من كوارثَ وفظائعَ، بغرضِ كبحِ عدوى انتقالِ الربيع، في محاولةٍ منهم لإثبات أن تلكَ الكوارث كانت نتيجةَ المطالباتِ بتغيير أنظمة الاستبداد والفشل، وهي طريقة للقول اقنعوا ببقاء هذه الانظمةِ البائسة، و لكنه كلما كان هناك استبدادٌ سياسيٌ وفشل عام، وكلما كانت هناك دولةُ الفردِ والعائلة، فسيكون هناك ربيعٌ عربي وسيتجددُ عبرَ أشكالٍ وصنوفٍ شتى وعبر كراتٍ وكراتٍ وموجات ٍوموجات،  

 

‎في هذا السياق دعونا نحيي حَراكَ الجزائرِ وانتفاضةَ السودان، التي دشنت جولةً جديدةً من كفاح شعوبنا، في سبيلِ الحرية، وطوت أحلامَ وأوهامَ الثورات المضادة وداعميها التي ظنت، وبعضُ الظنِ إثم، أنها قد نجحت في تخويفِ الشعوبِ من أي مطالباتٍ بالتغيير ومن أي كفاحٍ للانعتاق من حياةِ المهانةِ والحرمانِ والاستعباد،

‎نثق بانتصار حراك الجزائر ليس فقط بإسقاط العهدة الخامسة، بل ومعها الشلة الفاسدة والمافيا الحاكمة، ونؤمن بحراك السودان، ليس فقط في رحيل البشير وطي أحلامه في العودة في ولاية جديدة، بل وفي تغيير العصابة الفاسدة والفاشلة أيضا، نثق أكثر بقدرة الحراكيين على الاستفادة من إخفاقات بعض ثورات الربيع أمام الثورات المضادة وداعميها، حتى يكون ربيعا جزائريا وسودانيا، بلا إخفاقات ودون ثورات مضادة، مع أن وجود ثورات مضادة لا ينتقص من الثورات، ولا يقلل من أثرها وفاعليتها، فهي إخفاقات مؤقته، وتلك ثورات مضادة بانتصار زائف لا تلبث أن تسقطها نضالات الشعوب المتراكمة والممتدة، هذا ما تقوله سنن التغيير ويؤكده تاريخ وتجارب الثورات.

‎هو درب طويل وشاق لكن لا محيص أمام شعوبنا المهضومة والمحرومة إلا أن تمضي فيه و تجوب كل دروبه الشاقة والوعرة 

 

‎ايها الاصدقاء

‎إن أحلامَنا المشتركةَ، وتحدياتِنا المشتركةَ، وأحوالَنا المتشابهة، والمخاطرَ الواحدة، وخصومَنا المتشابهين، الذين وحدوا إمكاناتِهم وطاقاتِهم في مواجهة أحلامِنا، حتى بدوا وكأنهم خصمٌ واحد يرمينا من قوس واحدة، كل ذلك يفرض علينا توحيدَ الجهودِ وتكاملَها، وحشدَ الطاقاتِ لإقامةِ دولة المواطنين التي تستحقُها جميعُ شعوبنا، على أنقاضِ دولةِ الرعايا، ثم المضي لاحقاً في حشدِ الطاقاتِ على المستوى الرسمي بينَ دولٍ عربيةٍ حرةٍ، وفقَ مستوىً مناسبٍ من الاتحادِ والتعاونِ والتنسيق، ستنجزُه دولُنا الحرةُ والمستقلةُ كتحصيلِ حاصلٍ ونتيجةٍ طبيعيةٍ نستطيع أن نتوقعَها ونبشرَ بها من الآن، يرونه بعيدا ونراه قريبا.