English

كلمة توكل كرمان في الجلسة الافتتاحية بمؤتمر "المقاومة النسائية العالمية" للحائزات على جائزة نوبل للسلام - ألمانيا

ألقت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان، اليوم، كلمة في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر "المقاومة النسائية العالمية: التطور والثورة، التكيف مع البقاء على قيد الحياة" المنعقد بمدينة مونشنغلادباخ الألمانية بمشاركة نساء من مختلف دول العالم، فيما يلي نصها:


اصدقائي الاعزاء

أود في البداية أن أرحب بكم جميعا، اعتقد انها مناسبة جيدة للغاية أن نلتقي هنا من أجل الحديث عن موضوع يثير مزيدا من الشجن والفخر في آن، وهو المقاومة النسوية وتطورها وقدرتها على إحداث تغييرات جوهرية على مستوى الأفكار، والعلاقات والبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

لقد ساهمت المرأة بقدر وافر في بناء الحضارة الانسانية، ورغم وضوح هذه الحقيقة إلا أنها لم تسلم من الانتهاكات والاستبعاد والتهميش، فقد ظلت السلطة باختلاف مستوياتها واشكالها تناصب النساء العداء لأسباب مختلفة.

إذا قرأنا تاريخ المرأة، فسوف نكتشف أنه مزيج من البطولات والمظالم، وهو ما يضعنا أمام تحدٍ كبير، يتعلق بمدى قدرتنا على إنصاف النساء، خصوصا في ظل استمرار التفاوت الاجتماعي على أساس الاختلافات الجنوسية، وهو ما لا يجب أن يستمر.

هناك سمة ثالثة يميز تاريخ المرأة في كل العصور، باعتقادي وبكل تواضع أن المرأة هي كائن مقاوم بالفطرة، نعم، أذهبوا إلى أي مكان في العالم، سوف تجدوا النساء في صفوف مقاومة الفقر، ومقاومة الاستبداد سواء كان سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا، إن صوت النساء مهما كان خافتا، يظل مسموعا، ومؤثرا.

لا أحد يستطيع حصار المرأة إلى الأبد، من يفكر أن يرتكب هذا العمل المشين سوف يكتشف أنه أخطأ الرهان، صوت الحرية لا يمكن دفنه تحت التراب، وكذلك صوت النساء.

الاصدقاء الأعزاء

يحفل تاريخ العالم بحكايات نساء استطاعن قيادة بلدانهن بكل قوة وتمكن، لكن القصص التي يتم اهمالها حتى اليوم، هي تلك التي تتعلق بالمرأة العاملة والريفية على وجه الخصوص التي تقدم نموذجا فريدا من الارادة والتحمل والمساهمة الفعالة في التنمية وسط ظروف غير ملائمة.

قبل نحو 160 عاما من الآن، وبالتحديد عام 1856 أظهرت آلاف النساء في شوارع نيويورك شجاعة لا يستهان بها وهن يتقدمن مظاهرة احتجاجية على الظروف غير الانسانية التي كن يجبرن على العمل فيها، مما دفع المسؤولين السياسيين إلى طرح مشكلة المرأة العاملة على جدول الأعمال اليومي، كانت هذه خطوة مهمة في طريق طويل وشاق للحصول على أبسط حقوقها، ففي عام 1908 قامت الآلاف من عاملات النسيج بالتظاهر من جديد في شوارع نيويورك وهن يحملن شعار "خبز وورود" للمطالبة بتخفيض ساعات العمل ووقف عمالة الأطفال ومنح النساء حق الانتخاب. وكانت هذه المسيرة بداية تشكل حركة نسوية داخل الولايات المتحدة بعد انضمام نساء من الطبقة المتوسطة إلى موجة المطالبة بالحقوق السياسية وعلى رأسها الحق في الانتخاب. لم يكن هذا الحراك النسائي حكرا على امريكا، ولكنه كان جزءا من ثورة نسوية امتدت لكل بلد تقريبا، وساهمت في تصحيح كثيرا من الاختلالات التي كانت تضع المرأة في مكانة غير لائقة.

لقد كان لتحركات النساء الأثر الأكبر في تنمية حساسة المجتمعات للحقوق والحريات، فكلما كانت المرأة تحصل على حقوقها وعلى التقدير اللازم لها كانسان، كان الرجل يحصل على المزيد من حقوقه، وهذا درس يجب استيعابه بعناية، حقوق النساء هي حقوق الرجل، هي حقوق الإنسان.

الاصدقاء الاعزاء

نتيجة انتشار الثقافة والتعليم والتكنولوجيا، لم يعد هناك من يمكنه تصديق الاساطير التي تقلل من كفاءة المرأة ومن قدرتها على انجاز المسؤوليات الملقاة على عاتقها في ظل نجاحاتها المتتالية، حتى في الدول التي تشهد فقرا كبيرا أو حروب ونزاعات مسلحة استطاعت المرأة أن تتغلب على هذه الاوضاع المحبطة، وتقوم بكثير من الاعمال التي كانت يؤديها الرجل.

لقد اسيء فهم المرأة في القرون الماضية، إذ غالبا ما اعتبرت كائنا زجاجيا سرعان ما ينكسر لأتفه الأسباب، لكن سوء الفهم هذا، يواجه اليوم صعوبات كبيرة للبقاء، فتاريخيا شاركت النساء في الثورات وفي صنع النهضة الاقتصادية في كثير من دول العالم بشكل حاسم. وما دام الشيء بالشيء يذكر، فقد خلص تقرير للمنتدى الاقتصادي الدولي نشر في اكتوبر العام الماضي إلى أن النساء يعملن بمعدل 39 يوما أكثر من الرجال في العام.

تسعى النساء إلى تأكيد وجودهن باستمرار، والنضال من أجل عائلاتهن ومجتمعهن وبلدانهن دون كلل، ذلك أن هناك من يحاول التقليل من جهودهن ومن وجودهن، لكن الذي يثير القلق، أن الذين يمارسون استغلال المرأة اقتصاديا وجنسيا غالبا ما يفعلون ذلك تحت يافطات دينية أو اجتماعية.

وفي هذا الإطار، يجب بذل مزيدا من الجهود لوقف استهداف النساء، لا يجدر بالعالم أن يقف متفرجا على الانتهاكات التي تطالهن بغرض الاذلال وسحق كرامتهن.

الاصدقاء الاعزاء

في كل المنعطفات الكبرى كان للمرأة دور فيما يحدث، إن مراجعة امنية للتاريخ سوف يكشف لنا بجلاء هذه الحقيقة.

قبل ست سنوات، شهدت دول عربية من بينها بلادي اليمن ثورات ضد انظمة استبدادية تمارس التجويع بحق الناس، وتنتهج سياسات فاسدة وغير مبالية بمصالح الناس. لقد كان مفاجئا لكثير من المراقبين حجم مشاركة النساء في التغيير الذي كان كبيرا ومؤثرا.

مع صعود الثورة المضادة والانقلابات الدموية، دفعت النساء ثمنا باهظا، لكن هذا لم يكسرهن، لقد اثبتت النساء قوة وشجاعة في تحركاتهن، وعلى سبيل المثال، توقفت كل مظاهر العمل المدني ضد قوى الانقلاب في في المناطق التي لاتزال تحت سيطرتهم في اليمن منذ الحرب، إلا امهات المختطفين والمعتقلين اللواتي يقمن بالتظاهر أمام اماكن الاحتجاز غير القانونية بالرغم مما يحمل ذلك من مخاطر على حياتهن.

المرأة اليوم في اليمن وكثير من دول العالم، تواجه القمع بصلابة وعنفوان، وتقاوم التهميش وثقافة التمييز، وفي نفس الوقت تعمل بكل ما أوتيت من قوة وتبذل ما تستطيع من جهد، هذا هو النضال الحقيقي، وهذه هي الحياة التي يجب أن نكافح من أجلها.