English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان في مؤتمر حوار المتوسط بعنوان: الحرب في اليمن وسبل السلام - ايطاليا

بعد خمس سنوات من الآلام والمآسي والدماء والمدن المدمرة والأزمة المعيشية وانقطاع المرتبات وانهيار منظومة الخدمات ، تسود قناعة عامة في بلدي اليمن أن هذه الحرب العبثية يجب أن تتوقف. خمس سنوات من إدارة الحرب ضد اليمن..خمس سنوات من الإستخدام الإجرامي للحرب في اليمن من قبل السعودية والإمارات وإيران في سياق الصراع الإقليمي..كل يوم آخر في عمر الحرب يخدم المليشيات الإنقلابية والإنفصالية وتحالف الوصاية السعودي.  

الحرب التي عانى منها اليمن وأوقفت حياة اليمنيين أستخدمت لتدعيم الإنقلاب الحوثي في صنعاء وأضافت إلى ذلك إنقلابا آخر للإنفصاليين في عدن، وجعلت من الوصاية السعودية على اليمن مرجعية بديلة للشرعية اليمنية والشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي. 
كانت هذه الحرب منذ بدايتها مشروع القوى المعادية للدولة اليمنية، بداية من إنقلاب المليشيات الحوثية في 21 سبتمبر 2014 وسيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، ونصفها الثاني المكمل لها متمثلا باستهداف التحالف السعودي الإماراتي لليمن أرضاً وإنسانا والذي بدأ في 26 مارس 2015 فيما سمي حينها بـ"عاصفة الحزم". 
لقد حان وقت السلام ووقف الحرب، ولكن السلام المنشود ليس ذاك الذي يقدم كأداة بيد السعودية والحوثيين والإنفصاليين. السلام هو نجاة اليمن من الوصاية الخارجية والميليشيات. 
ما تسعى إليه السعودية هو إعادة تموضع لإدارة الحرب بواسطة الأدوات المحلية التي صنعتها خلال الخمس سنوات الماضية ، والكذب على المجتمع الدولي بأنها لم تعد مسؤولة عن ادارة الحرب في اليمن. إن مثل هكذا سلام سيكون أداة لإضفاء المشروعية على سلطات الأمر الواقع وعلى الوصاية والإحتلال السعودي الإماراتي لأجزاء واسعة من اليمن تضم سواحله وموانئه البحرية وجزره ومناطق ثرواته النفطية والغازية. 
ان طريق السلام الحقيقي هو ذاك الذي يأتي عبر حوار يجمع القوى داخل اليمن تحت إشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن ووفق المرجعيات الوطنية والدولية وبمشاركة ممثلي الشرعية اليمنية والإنقلابيين.
الإتفاقات الثنائية مثل إتفاق الرياض بين الشرعية والانفصاليين والمحادثات السرية بين السعودية والحوثيين هي صفقات تلبي حاجة أطراف خارجية وانقلابية ولا تحقق السلام المنشود حتى وإن نتج عنها تهدئة مؤقتة.
اليمن بحاجة إلى إنهاء الحرب وبناء عملية سلام متينة تضع حدًا لتعدد سلطات الأمر الواقع وتنهي الوصاية الخارجية على اليمن وتفتح حوارا واسعا يمكن اليمنيين من استعادة التوافق والإتفاق على إستكمال عملية الإنتقال السياسي تحت سقف الدولة اليمنية..إننا بحاجة إلى تفعيل الجهود الدولية من أجل احلال السلام في اليمن. 
إهتمام السعودية وإيران منحصر في مصالحهما، والتدخلات المباشرة وغير المباشرة لهما أدت إلى مد الحرب بوقود صراعهما الذي انتقل الى داخل اليمن. وان سلام يأتي بناء على مصالحهما دون ان ينبني على مصلحة اليمن وإيجاد الحلول المناسبة لأسبابها وما أفرزته من نتائج، سيكون سلاماً خادعًا يمد في عمر الحرب ولا ينهيها.
لهذا نشدد على حضور الدور الأممي في أي مباحثات ومشاركة الدول الكبرى والإتحاد الأوربي في جهود إحلال السلام في اليمن وإنهاء الحرب واستكمال عملية الانتقال السياسي وبما يحفظ لليمن وحدته وأمنه وإستقراره.
***
الأصدقاء والصديقات؛ 
حتى يكون لكلمات الحرب والسلام معنى، نحتاج لتوضيح ما يحدث في اليمن منذ أربع سنوات، وتحديد حقيقة الوضع القائم اليوم في هذا البلد الفقير والمنكوب بالمليشيات الإنقلابية والإنفصالية وجيران النفط الأغنياء الذين يرون في ثورته وديمقراطيته واستقراره تحديا لهم ولممالكهم الصحراوية.
أسقطت الدولة في 21 سبتمبر 2014 بيد ميليشيات الحوثي بعد تواطؤ واسع النطاق لدوافع مختلفة. الفاعل الخفي كان مركز الثورة المضادة في الرياض وأبوظبي مدفوعا بهدف إفشال ربيع اليمن، والنتيجة هي إعادة اليمن إلى نقطة الصفر وتمكين الحوثيين من السيطرة على العاصمة ومؤسسات الدولة، وهم حركة لاتؤمن بالديمقراطية ولا بالمشروعية الحديثة للدولة، وتؤمن بالولاية الالهية وأنها مخصوصة بها دونا عن كل اليمنيين.
كان واضحا ان السعودية والامارات هما مركز الثورة المضادة للربيع العربي، وحريصتان على توجيه اليمن باتجاه نموذج لا يكون مغريا للجوار الخليجي الذي أصابه الهلع من انتفاضات الشعوب والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
من باب الانقلاب وسيطرته على مؤسسات الدولة والعاصمة والمحافظات مر التحالف السعودي الإماراتي بأجندته المدمرة لليمن والتي توضحت ملامحها كاملة في سنوات الحرب الخمس الماضية.
كانت قرارات مجلس الأمن الدولي متوقعة وأكدت على أمن اليمن واستقراره ووحدته وأكدت على الشرعية الممثلة للدولة وللجمهورية اليمنية كمرجعية لقراراتها وخصوصا القرار 2216..لكن التحالف الذي اتخذ منها عنوانا خادعا انحرف عن كل ما تقرره من اعتراف بالشرعية وعودة الدولة وانهاء الانقلاب عليها.
ولن نضيف شيئا اذا كررنا هنا الإشارة الى التشكيلات المسلحة الانفصالية والسلفية التي دعمها التحالف في مواجهة الشرعية داخل الجنوب وتعز وليس في مواجهة الانقلابيين الحوثيين الذين تم استعادتها من قبضتهم في الاشهر الاولى للحرب.
كرس التحالف المجلس الإنتقالي الإنفصالي سلطة أمر واقع في عدن. وما زال إلى اليوم يمنع الحكومة الشرعية إدارة المطارات والموانيء وتصدير النفط والغاز رغم ما تم تسويقه في إتفاق الرياض في أكتوبر الماضي.
***
استمرار الاوضاع القائمة في اليمن هو استمرار لإدارة الحرب والفوضى من قبل التحالف والوصاية التي يفرضها على اليمن.
دعوات إيقاف الحرب وإحلال السلام تعني إنهاء الوصاية وعودة الدولة.
تستمر السعودية في إدارة الفوضى والعبث وسياسة فرق تسد، ولهذا ترفض السلام وتسعى إلى عقد صفقات منفردة مع أطراف الصراع الداخلي مع استمرارها في الإمساك بورقة الشرعية واحتجازها في الرياض.  
السلام بالنسبة لنا كيمنيين يعني تسوية سياسية تؤدي الى عودة الدولة الى المناطق المحررة وفي جغرافيا سيطرة الانقلابيين على حد سواء.
السلام هو خيار اليمنيين لإنهاء الوصاية الخارجية ونزع سلاح الميليشيات وعودة الدولة اليمنية وفق اتفاق سياسي يحافظ على شرعية الجمهورية اليمنية ويهيء اليمن لاستكمال عملية الانتقال السياسي وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني. 
ومع تسرب أخبار المحادثات السرية بين السعودية والحوثيين وذهابهم في مباحثات البحث عن صفقات تعفيهم من إستحقاقات السلام، تجد الأغلبية الصامتة من اليمنيين نفسها بحاجة الى دعم المجتمع الدولي لتقديم مساندة حقيقية تخرج اليمن من هذه الثنائية القاتلة: حرب عبثية يديرها التحالف السعودي الإماراتي بالفوضى وزراعة الميليشيات وتقسيم الارض اليمنية، وفرص سلام تحاول قوى الحرب الخارجية ممثلة بالتحالف السعودي الإماراتي ومعها الميليشيات الإنقلابية، أن تتحكم بمخرجاته عبر عزل القضية اليمنية عن المجتمع الدولي وتصفية الشرعية اليمنية عبر إتفاقات مجزأة تستخدم لإخلاء مسؤلية الرياض وأبوظبي أمام المجتمع الدولي وفي نفس الوقت تبقي على سلطات الأمر الواقع ولا تمس أسباب تفجر الحرب وضرورة معالجتها في أي إتفاق للسلام في اليمن. 
وإننا نرى أن توجها صادقا لإنهاء الحرب وإحلال السلام مرهون بتوجهات جادة من الدول الكبرى والمجتمع الدولي.
نحتاج إلى مساندة دولية لإنهاء الحرب وإحلال السلام وان تستخدم الأمم المتحدة والدول الكبرى ثقلها لممارسة ضغوط حقيقية وحاسمة لإحلال السلام ووقف العنف ونزع سلاح الميليشيات ووعودة الدولة واستكمال عملية الانتقال السياسي. 
السلام يتطلب ممارسة ضغوط مؤثرة على تحالف الوصاية السعودي الإماراتي الذي اتخذ من عنوان دعم الشرعية غطاءً لتدمير لليمن ودعم الميليشيات والتقسيم وسياسة فرق تسد والسيطرة على الموانئ والسواحل اليمنية والمنشات النفطية والغازية وفرض الوصاية على الرئيس اليمني والحكومة اليمنية بعد ان أوصل الشرعية الى اضعف حالاتها وفرض عليها العزلة والهروب من عدن والمحافظات المحررة أمام الميليشيات الإنفصالية المدعومة منه. 
نتطلع إلى السلام. السلام الذي يفتح أمام اليمن طريقاً آمناً للإنعتاق من حكم الميليشيات الإنقلابية  والتحرر من الوصاية  السعودية والإحتلال الإماراتي  وانجاز تسوية سياسية تعيد لليمنيين دولتهم وجمهوريتهم وأمن واستقرار بلدهم..لن نكل ولن نمل في رفع أصواتنا والكفاح من أجل خلاص بلدنا وشعبنا من هذه المأساة..ولا إنسانية في هذا العالم مالم نراها متجلية هنا في هذه المنطقة المنسية التي تركت لتجار الموت والسلاح والحروب والدمار في داخلها وإقليمها المجاور وخلفهما مصالح دولية لا ترحم ولا تعير اهتماما للمعايير الانسانية وآدمية البشر.