English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان في مؤتمر تمكين النساء في دول المتوسط - ايطاليا

في البداية أود أن أعبر عن امتناني وشكري على دعوتي للمشاركة في هذا اللقاء الذي يبحث في دور القوة والمهارات بالنسبة للنساء في صنع الفرق في منطقة البحر المتوسط، هذه المنطقة التي شهدت تحولات وتفاعلات حضارية كبرى، والتي يمكن أن تكون نموذجا للتعايش والتعاون بين مختلف الثقافات والحضارات. 

الأصدقاء الأعزاء
غالبا ما ينظر إلى قضايا المرأة باعتبارها قضايا فئوية، تخص النساء بمفردهن. وقد ساهمت بعض الحركات النسوية والمنتديات النسوية في تكريس هذا الواقع من خلال التعامل مع قضايا المرأة بطريقة ضيقة وانانية، بل هناك من يقدم قضايا المرأة باعتبارها قضايا منفصلة أو متعارضة بالضرورة مع قضايا الرجل أو المجتمع بشكل عام.
وسبق أن قلت في غير مناسبة، أن مثل هذا الطرح لا يساعد في النهوض بواقع المرأة، فضلا أنه ينطوي على تضليل فاحش، لا يجب جر النساء إليه، فالمجتمع الذي تغيب عنه قيم الحرية والمساواة ويعاني من قوانين وأنظمة غير عادلة لا يمكن أن يوفر للنساء معاملة أفضل من تلك التي يتم توفيرها للرجال، لذلك كنت دائما أنظر إلى مسألة حقوق المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا من منطلق شامل وغير فئوي، لأني أدرك أن القيم الكبرى لا يمكن تجزئتها، كما لا يمكن أن تعطى لفئة وتمنع عن فئة أخرى.

الأصدقاء الأعزاء
لا اخفيكم، أن عنوان هذا اللقاء الذي يركز على التأثير الذي من المتوقع أن تحدثه القوة والمهارات بالنسبة للمرأة على حياتهن وحياة المجتمعات التي يعشن فيها. باعتقادي، هذا مدخل مهم، لتحقيق نهوضا بواقع المرأة، ومساعدة المجتمعات على استثمار طاقاتها وقدراتها بصورة تجعلها أكثر استقرارا ورفاهية.
إن بلورة مفهوم محدد لمعنى القوة مسألة أساسية، بمعنى ما الذي نقصده بالقوة، هل الوظائف أم التدريب الجيد أم المال، أم السلطة، أم الرعاية، أم القوانين، أم كل ذلك، أم أشياء متعددة تجعل النساء أكثر قدرة على الإنجاز والعمل بما يسهم في تغيير واقعن الراهن، ومستقبلهن. كما تعلمون، فإن اكتساب المرأة للمهارات اللازمة التي تمكنها من التواجد في أجواء متنافسة، قد يكون جزءا من القوة التي يجب أن تعطى لها، ليس لكي تواجه ظروف الحياة، ولكن لكي تحدث فروقا واضحة على صعيد حياتها، وحياة المحيطين بها، أو مجتمعها، خصوصا في منطقة لا تتسم بقدر متساوي من الاستقرار.

الأصدقاء الأعزاء    
دعوني أركز على ذلك الجزء المتعلق بالحروب والصراعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي والانقلابات التي تعاني منها العديد من الدول التي تقع ضمن منطقة المتوسط مثل سوريا وليبيا وفلسطين وقبرص ومصر ولبنان وغيرها من الدول، وتداعيات كل ذلك على وضع النساء، ومدى قدرتهن على التجاوب مع المبادرات التي تسعى لتحسين مكانتهن ووضعهن بشكل عام. 
كما هو معروف، فقد ساهمت تلك الصراعات في جعل وضع النساء أكثر سوءا، وهناك احصائيات كثيرة تبين كيف أن النساء أصبحن أكثر عرضة للانتهاكات سواء في مناطق الصراع، أو أثناء الهجرة، لذلك أرى من الضروري التفكير بمد النساء بالمهارات والقدرات التي تساعدهن على مواجهة ظروف الحرب، وعدم اعتبار المرأة في تلك المناطق مشروعا غير مجدي. كما أرى أن من الضروري أن تحظى النساء المهاجرات أو اللواتي في طريقهن للهجرة بالدعم الكافي، وأظن أن إكساب هذا النوع من النساء أسباب التمكين الاجتماعي والاقتصادي بدرجة أساسية سينعكس إيجابا على مناطق اللجوء واستقبال المهاجرين.

الأصدقاء الأعزاء  
الإنجازات المهمة التي تميز بعض التجارب الأوروبية لا تعني أن وضع المرأة لا يحتاج لمراجعة وتحسين مستمر، بما يلغي أي فوارق فيما يتعلق بالحقوق بين الرجل والمرأة، وعلى سبيل المثال، فما تزال النساء الأقل أجرا مقارنة بالرجل في الدول المتقدمة. تبدو المشكلة أكبر عندما نتجه نحو الجنوب، حيث تعاني النساء من العديد من القوانين والأعراف التميزية، الأمر الذي يحتاج لجهد مضاعف حتى يمكن أن تكون النساء عنصر فاعل في المجتمعات.
لقد ساهمت السياسات القمعية التي مارستها الحكومات الاستبدادية ضد المجتمع إلى الإضرار بمكانة المرأة والرجل، إلا أن وضع المرأة كان أكثر سوءا بطبيعة الحال، فبعد مشاركة فعالة ومشهودة للنساء في ثورات الربيع العربي في 2011، عادت الثورات المضادة والانقلابات لفرض منطق اقصائي ضد الحركات والتوجهات المدنية التي يجسدها في الوقت الراهن كلٌ من الشباب والنساء على وجه الخصوص.
حسب ما أعلم، فإن هناك الكثير من المشروعات والمبادرات التي تسعى تمكين النساء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأستطيع أن أقول بكل ثقة أن منطقة المتوسط هي أكثر المناطق تأهيلا لإدارة هذه المشروعات بكفاءة واقتدار. وكل ما أطلبه في هذا الشأن، هو مزيد من التعاون وتبادل الخبرات بين ضفتي المتوسط، الأوروبي والعربي، فهذا من شأنه أن يسهم بدعم فكرة بناء السلام والتعايش بين الثقافات المختلفة. 

الأصدقاء الأعزاء
بمراجعة للتاريخ، سنكتشف أن المرأة اكتسبت مهارات كثيرة، بما في ذلك مهارة السياسة والحكم والتفوق في التجارة والبحث العلمي والرياضة وغير ذلك، لذلك ما نفكر به للنهوض بواقع المرأة ليس عملا يجب أن نختبر إمكانية حدوثه، لقد تم تجريبه قديما وثبت نجاعته. في تاريخنا أمثلة كثيرة على هذا التفوق، وعلى قبول المجتمعات له، بل واستفادتها منه، وهو ما يجعلنا أكثر ثقة بأن المستقبل سيكون أفضل بكل تأكيد.
ختاما، باعتقادي أن تقوية مكانة النساء في مجتمعاتنا، وتدريبهن في مجالات بناء القدرات والمهارات، سوف يكون له تأثير في تقوية المجتمعات، ودعم خطط السلام في المناطق التي تشهد صراعات مسلحة، كما أنها سوف تسهم في دعم الاختيارات الديمقراطية والإنسانية في المجتمعات التي تشهد استقرارا.
إن قوة النساء قوة لمجتمعاتنا، وانكسارهن دليل على عدم وجود عافية.