English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان في جامعة فلوريدا بعنوان "الإرهاب والعنصرية"

نقترب من إكمال العقد الثاني على صعود " الإرهاب " موجَة عالمية ومصطلح موجِهْ للسياسات العالمية ، وسؤال اليوم أمام الجميع هو : هل آن الأوان للخروج من توجهات عالمية تستغل الإرهاب ، إلى توجهات جديدة تراه خطراً على الجميع وتتعاون من أجل عالم خالٍ من الإرهاب وتوظيفاته السياسية العالمية ؟!

لفهم الإرهاب والتصدي له سنجد أنفسنا نبحث في مصفوفة واسعة من أسبابه وجذوره. 

أسباب تقودنا إلى الواقع المحلي والعالمي للدول والسياسات الدولية والثقافة والجماعات الدينية والظروف الإقتصادية والإجتماعية، وإجمالاً ، أسباب موضوعية ، لا جينات وأحكام عنصرية تطلق أحكامها على شعوب بأكملها وعلى دينها وثقافتها ، وهو توجه عنصري ينهل من نفس منبع الإرهاب ولا يختلف عنه. 

دعونا نتحدث عن الإرهاب من آخر مكان ضرب فيه : من نيوزلندا. 

الدرس الكبير الذي قدمته نيوزلندا للعالم ورئيسة وزراءها كان درساً بليغاً ومؤثراً.  

استهدف العمل الإرهابي فرز المجتمع النيوزلندي وتعميق الكراهية بين فئاته على أساس الدين والمعتقد. لم يستهدف المسلمين وحدههم. 

جريمته البشعة استهدفت نيوزلندا كلها. غير ان هذا المعنى لم يكن ليكون ممكنا لولا ادراك الدولة هناك لذلك. 

عبرت نيوزلندا عن معنى ان تكون مجتمعا واحدا تحكمه دولة قانون. 

نبذوا الارهاب وتضامنوا مع إخوانهم الضحايا كمواطنين تجمعهم صلة إنسانية ومواطنية.

لم يقل أحد في العالم ان النيوزيلنديين ارهابيين بثقافتهم ودينهم المسيحي أو إنتماءهم العرقي. حُصر الارهاب واتخذت الخطوات اللازمة لمحاربته. محاربته وليس استغلاله لإدانة أمة بكاملها وإدانة معتقد غالبيتها المسيحية أو إنتماءها العرقي. 

بعيداً عن نيوزلندا دعونا نرى كيف مضى ما سمي بالتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب وما هي نتائجه.

دعونا نتساءل أولاً : 
هل من احد معنا في هذا العالم ما زال يؤمن بأن هناك سياسة عالمية لمكافحة الإرهاب ؟! 
الإرهاب لم يُكافَح. 
كوفحت تطلعات الشعوب للتغيير. 
كوفحت الديمقراطية. 
كوفحت مبادئ حقوق الإنسان.
 واحتفت الدول الكبرى بالإرهاب بمسمى "سياسة عالمية لمكافحته".  

تُحكم الدولة العظمى الأكبر في العالم برئيس لا يخفي نزعته العنصرية. رئيسة وزراء نيوزلندا حالة إستثنائية بينما الموجة الأعلى صوتاً في دول الغرب في السنوات الأخيرة هي للعنصريين وكراهية الأجانب والمهاجرين. 

السياسات العالمية حصرت مواجهتها للإرهاب بالإجراءات الأمنية وعمليات القتل خارج نطاق القضاء بواسطة الطائرات بدون طيار.

 ولاحقا بعد 2011 تطورت إلى عنوان لحروب مفتوحة واجهت بها الأنظمة الديكتاتورية شعوبها قتلت عشرات الآلاف من مواطنيها متذرعة بمكافحة الإرهاب. 

في دول الغرب نجد حصاد الكراهية المضادة واتهام العرب والمسلمين جملةً بالارهاب، نلاحظه اليوم في توجهات أميركا ودول الغرب لمزيد من الإنعزال ورفض "الغرباء" وتصويرهم في لبوس الشياطين والمهددين للأمن والنظر إليهم بعيون الإرتياب ، بل والكراهية والإتهام ، لكأن "الإرهاب" صار عقيدة عالمية للحكومات والدول وليس حالات منحرفة تجسدها منظمات إرهابية يتفق العالم على تجريمها والتعاون للقضاء عليها. 

الهجرة كانت على مر التاريخ نشاطا ملازما للبشر ، ولم تقتصر على النزوح في فترات الحروب والعنف وما تؤدي إليه من مآس إنسانية وموجات نزوح وهجرات للبحث عن ملاذات آمنة وفرص آمنة للنجاة والحياة. 

إن توجها لجعل العالم مكانا ملائما للحياة لابد له أن يأخذ حق البشر في الإنتقال والهجرة والعمل معيارا أساسياً لرؤيته. 

في عالمنا اليوم مئات الآلاف من الناس الذين انقطعت بهم السبل ووجدوا انفسهم في العراء جراء الحروب وإنهيار الدول ، وإن معاييرنا لحقوق الإنسان تلزمنا بجعل معاناتهم قضية عالمية في صدارة إهتمامنا. 

توجهات ضالة هي تلك التي تقيم أمنها بالعزلة وكراهية الأجانب وإحياء النزعات العنصرية ضد الأقليات السكانية من ذوي الأصول المختلفة والمهاجرين القادمين من إثنيات "تختلف عنا أو انتماءات دينية مختلفة عن معتقداتنا". 

العالم لا يستقر بالعزلة والعنصرية وإستبطان الإرهاب لتبني إرهاب مضاد يصنف الشعوب والمجتمعات والأمم كأعداء ويضعها في خانة "الإرهاب". 

هذه العنصرية الصاعدة في دول الغرب تثير مخاوفنا ورعبنا مثل ما يثيره الإرهاب فينا من المخاوف والرعب.

تعاني شعوبنا من الإستبداد والديكتاتوريات والإرهاب، إرهاب الدولة كما هو مجسد في أنظمة شنت الحروب ضد شعوبها لتمنع التغيير وتقمع الثورات السلمية المطالبة بالعدالة والديمقراطية، وتعاني من الإرهاب ومنظماته المارقة. 

هل يكون على البشر الذين تتشكل منهم هذه المجتمعات أن يدفعوا ثمنا إضافيا أمام العالم الأول في الغرب الذي يصنفهم إرهابيين ويترك التوجهات العنصرية الإنعزالية الصاعدة تقفل الأبواب في وجوه اعداد محدودة من اللاجئين الذين خاطروا بحياتهم وهاجروا بحثاً عن ملاذ آمن ومرفأ نجاة وفرصة عمل؟!   

لا سبيل للخلاص بإغلاق الأبواب والعزلة والعنصرية. هذه تغلق خياراتنا على ثنائية قاتمة: الإستبداد والإرهاب والفقر في جهة ، والعنصرية والإنعزال وكراهية الأجانب في الجهة الأخرى.

يلحق بنا نحن العرب والمسلمون ضرر كبير ودمار فادح من جانبين يظهرا لنا وكأنهما وجهين لعملة واحدة: 
الإرهاب ، واستخدام "الحرب على الإرهاب" سياسيا لغايات أخرى لا علاقة لها بمكافحة الارهاب ومحاصرته وتجفيف منابعه.

 وبعد 18 عاماً من أحداث سبتمبر 2001 نتطلع اليوم الى مكافحة حقيقية للإرهاب وذلك لن يتحقق إذا استمر العالم في استخدام هذا العنوان الفضفاض لتبرير أهداف اخرى تعزز الإرهاب ولا تكافحه. 

نتطلع لمكافحة الارهاب والقضاء على هذا الوجه القبيح للعنف. 

لست سياسية أروج لمصالح دولية ولا موظفة في آلة نظام مستبد يقاوم رياح التغيير متخفيا تحت رداء مكافحة الارهاب الزائف، حتى اختصر مكافحة الإرهاب في عنوان أعمى لا يفرق بين الشعوب وقضاياها العادلة ، وجماعات الإرهاب وخلاياه وثقافته. 

ان مكافحة الارهاب تقتضي اولا تحرير الحرب العالمية  ضده من الاستخدام السيء لنظام عالمي دولي وجد في هذا العنوان ما يلبي حاجته لاعادة انتاج السيطرة والدفاع عن مصالح ضخمة لا أخلاق لها ولا قيم.

أرى أن مكافحة الإرهاب تحتاج الى إزالة هذا الخلط الدامي. 

 دمرت مدن الموصل والرقة وحلب ومدن اخرى سورية وعراقية وقتل عشرات الآلاف وتم تهجير مئات الالاف من بيوتهم ومدنهم في هندسة طائفية للمجتمعات من قبل أنظمة طائفية مستبدة .. وكل ذلك تم بإسم مكافحة الإرهاب! 

تخيلوا! أي عالم هذا الذي يموت فيه الأطفال والمدنييدون بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي، ويقدم ذلك للعالم باسم مكافحة الإرهاب ! 

ويصمت العالم.
العالم الذي يعرف جيدا ان ثورة في سوريا قد خرجت في 2011 وان النظام الأسدي استدعى الميليشيات الطائفية حزب الله في لبنان والنجباء وعصائب الحق من العراق واستدعى ايران وحرسها الثوري لتخوض معركة البقاء بجانبه ، واستدعى القوة العظمى روسيا في حرب مباشرة تقصف المدن وتحارب على الأرض وتتفاوض نيابة عن النظام ... وكل ذلك يقال للعالم انه لمكافحة الارهاب!

هل تدمير المدن فوق ساكنيها يمثل حربا ضد الإرهاب ؟!  

من المهم ضبط مفهوم الإرهاب وتوسيع الحرب العالمية ضده لتتجاوز الجانب الأمني الوقائي الى استراتيجية شاملة تبدأ بدعم التحول الديمقراطي في المجال الحيوي للظاهرة الارهابية.

مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه تبدأ بدعم التحول الديمقراطي في البلدان التي تمثل بيئة هذه الظاهرة العنفية "الإرهاب". وبدون البدء من هنا سيكون متعذرا الحديث عن تنمية وازدهار اقتصادي يحدث تحولات توفر فرص العمل وتنقل المجتمعات الى مناخ آخر من الانجاز والنمو والدخول في عداد المجتمعات المستقرة القادرة على مواجهة تحديات مثل الارهاب بالسياسات والاقتصاد والثقافة والتعليم وأدوات القوة المرنة ، بدلا من اختزال الحرب على الارهاب في القتل المضاد وشن الحروب.

الديمقراطية والتغيير والتبادل السلمي للسلطة نقيض الإرهاب والجماعات العنفية بكل أنواعها، عندما تحضر الحرية والديمقراطية والحقوق ودولة القانون يغيب الإرهاب والعنف وتجفف بيئته ومنابعه. 

لكن السياسات العالمية كانت في الإتجاه المعاكس للديمقراطية وحقوق الإنسان. 

تواطأت الدول الديمقراطية الكبرى مع الثورات المضادة وتشابكت توجهات عالمية مع مصالح إقليمية في مواجهة صيحات التغيير السلمي في الوطن العربي التي اطلقتها حناجر الملايين العزل من السلاح والقوة والمال والذين لا يملكون سوى إيمانهم بكرامتهم وحقوقهم كبشر وحقهم في المواطنة والمساواة والعدالة واختيار حكامهم بإرادتهم الحرة في بلداننا العربية.

مهما ذهبت الحرب العالمية ضد الارهاب في الاجراءات الامنية والحروب والتحالفات مع الديكتاتوريات ستعود يوما لتقر بضلال هذا المسلك ولا جدواه. 

هذه التوجهات وهذا الضلال الذي تمشي فيه يحول الارهاب الى اداة لاعادة انتاج اسوء ما عرفته البشرية : الديكتاتورية والظلم وقهر الشعوب. 

سيكون صعبا المضي في مكافحة حقيقية للظاهرة الإرهابية على المستوى العالمي دون ان يتم الفصل بين عنوان مكافحة الإرهاب، وتوظيفه واستخدامه سياسيا وعسكريا من قبل الانظمة المستبدة والدول الكبرى غطاءاً لضرب معارضيهم والثورات الشعبية ومجتمعاتهم ، كلما وجدوا أن حركتها تشكل تهديدا لسيطرتهم وطغيانهم. 

كلام كثير يمكن أن يقال عن الإرهاب ووسائل مكافحته وتجفيف منابعه. 

مع ذلك ارى ان لاجدوى من كل هذا الحديث العالمي عن مكافحة الارهاب مالم يبدأ من الحرف الاول في ابجدية نبذ الارهاب وتجفيف منابعه ، وأشير تحديدا وحصرا الى هذا الخلط بين حرب الديكتاتوريات ضد شعوبها ، وحرب مكافحة الارهاب. 

انتزعوا هذه الورقة البائسة الملطخة بدماء الأبرياء من يد قتلة شعوبهم. 

قولوا بوضوح كدول عظمى ومجتمع عالمي وديمقراطيات عريقة ان معركة الرمق الاخير للدكتاتور لا تكافح الارهاب وإنما تصنعه. 

ارفعوا الغطاء عن إرهاب الدولة وسفاحي العصر. 

الارهاب لا يُحارَبْ بقتل الشعوب وإنما بإحيائها ومساندة تطلعاتها للحرية والانعتاق من قيود ديكتاتورية مظلمة لا ينمو في اقبيتها الا الموت والتطرف والكراهية.

لماذا يضعنا العالم امام خيار سيّء بين الاستبداد والارهاب ؟! 
هل بمقدورنا ان نحارب الإرهاب والديكتاتوريات معا في وقت واحد ؟! 
نعم. 
وكل حرب ضد الإرهاب هي حرب ضد الديكتاتورية.
وكل كفاح ضد الديكتاتورية هو كفاح ضد الإرهاب.

الإرهاب والاستبداد في ضفة والشعوب الحرة في الضفة المقابلة لهذا الثنائي المضاد للحياة الانسانية.

الإرهاب والديكتاتورية وجهان لعملة واحدة لا نقيضان.

لن نسمح بأن يكون الإرهاب قارب نجاة للديكتاتوريات المتهالكة

انهم انفسهم من نما الارهاب ورعا جماعاته واستخدمها لتأديب المجتمعات وقمعها وكتم انفاسها باسم الدين والشرع وهيئات الرقابة الكهنوتية باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

الثورة العالمية ضد الارهاب تبدأ بتمكين الشعوب من تقرير مصيرها ونيل حقوقها وتحرير حرب مكافحة الارهاب من الايدي الملطخة بالدم ومن الاستخدام الدولي السيء لهذا العنف المعولم العابر للحدود.

نحن نعيش في عالم واحد تربطه مصالح متشابكة وعلاقات متداخلة. لا طريق أمامنا سوى إصلاح هذا العالم ، عالمنا كلنا في الشرق والغرب والشمال والجنوب.

ولمثل هكذا توجهات سنرفع صوتنا هنا مثلما رفعناه في كل مكان ذهبنا اليه ، نرفع صوتنا من أجل سياسات عالمية موحدة لمكافحة الإرهاب والعنصرية والكراهية ونعبر عن إصرارنا لبناء رؤية عالمية متشابكة تعيد تعريف البشر بإنتماءاهم المشتركة والمصالح التي تجمعهم والمصير المشترك لحياتهم وعالمهم.