English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان بعنوان "الحرب في اليمن وسبل السلام" أمام مؤسسة نوبل - النرويج

ألقت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان كلمة أمام الفعالية التي أقامتها، اليوم، لجنة جائزة نوبل للسلام عن اليمن في العاصمة النرويجية "أوسلو"، بعنوان "الحرب في اليمن وسبل السلام"، فيما يلي نصها:

أيها الاعزاء 
منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، واليمن يعاني أكثر من حرب، الأمر الذي فاقم من الوضع الإنساني، وأدى لتدهور الأوضاع السياسة والاقتصادية، وأدخل البلاد في حلقة جهنمية مرعبة، في ضوء صمت وتجاهل دوليين مريبين، فإلى هذه اللحظة لا توجد أي مؤشرات حقيقية على وجود إرادة دولية لوقف الحرب، ومعالجة أسبابها.

كانت هذه الحرب منذ بدايتها مشروع القوى المعادية للدولة اليمنية، بداية من إنقلاب المليشيات الحوثية في 21 سبتمبر 2014 وسيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، ونصفها الثاني المكمل لها متمثلا باستهداف التحالف السعودي الإماراتي لليمن أرضاً وإنسانا والذي بدأ في 26 مارس 2015 فيما سمي حينها بـ"عاصفة الحزم".

أربع سنوات ونصف من الحرب، تم هدم مؤسسات الدولة، والاستثمار في الميليشيات وتجويع المواطنين والتعامل معهم بوحشية حينا، وعدم اكتراث حينا آخر، آلاف الصواريخ والقصف التي استهدفت المدنيين من قبل طيران التحالف السعودي الاماراتي، الذي اتخذ من عنوان دعم الشرعية غطاءً لتدمير لليمن ودعم الميليشيات والتقسيم وسياسة فرق تسد والسيطرة على الموانئ والسواحل اليمنية والمنشات النفطية والغازية وفرض الوصاية على الرئيس اليمني والحكومة اليمنية بعد ان قوض الشرعية وفرض عليها العزلة وأوصلها الى اضعف حالاتها وأنشأ ودعم الميليشيات المناهضه لها.

أربع سنوات ونصف من الانقلاب حولت فيها مليشيات الحوثي المناطق التي تحت سيطرتها إلى سجن كبير، وانتهجت سياسة قمعية تجاه مخالفيها، بل تجاه المختلفين عنها، زرعت الالغام، وفرضت إتاوات مالية باهظة على التجار الصغار والكبار، حتى على المواطنين العاديين.

أربع سنوات ونصف من تضييق سلطات الأمر الواقع سواء الحوثيين أو السعوديين والاماراتيين على عمل منظمات وناشطي المجتمع المدني والصحفيين والسياسيين وشيطنتهم ومن ثم القيام بسجنهم وتعذيبهم وقتلهم. 

أيها الأعزاء:
حتى يكون لكلمات الحرب والسلام معنى ، نحتاج لتوضيح حقيقة الوضع القائم اليوم في هذا البلد المنكوب بالمليشيات الإنقلابية في الشمال والجنوب وجيران النفط الأغنياء الذين يرون في ثورته وديمقراطيته وإستقراره تحديا لهم ولممالكهم الصحراوية. 

أيها الاعزاء: 
هذه الحرب العبثية على اليمن يجب ان تتوقف..ليس فقط من أجل اليمن والامن الانساني في اليمن، بل ولأجل حماية الامن والسلم الاقليمي والدولي ايضا. 
اليمن تتمركز على موقع جيوسياسي بالغ الاهمية، وتطل على واحد من اهم المتافذ البحرية في العالم وهو مضيق باب المندب. وفي خضم الحديث عن حوار المتوسط في هذا المؤتمر.

ففي استقرار اليمن واستقلاله وقوته مصلحة حقيقية لدول المتوسط وفي فشلها خطر محقق وبالغ على امن وسلام واستقرار دول المتوسط بل والعالم.

فعبر مضيق باب المندب الذي تطل عليه اليمن وتتحكم فيه، تمر اغلب ما يصدر من دول المتوسط من بضائع او يأتي اليها.

لا استقرار للتجارة العالمية دون استقرار اليمن على المستوى الاستراتيجي، هذا فضلا عن أوجه لا حصر لها من المنافع والمخاطر المشتركة على الاستقرار العالمي، وخاصة في قضايا عالمية مهمة كالارهاب والقرصنة واللاجئين.

لكن حين نتحدث عن السلام، فعن اي سلام نتحدث؟ 
السلام الذي يتحدث عنه اليمنيون ويبحثون عنه هو سلام مستدام، وليس ذاك السلام الزائف الذي يلبي حاجة ومصالح أطراف خارجية وانقلابية دون ان ينبني على مصلحة اليمن وإيجاد الحلول المناسبة لأسباب الحرب وما أفرزته من نتائج. ان مثل هذا السلام سيكون سلاماً خادعًا وتهدئة مؤقتة تمد في عمر الحرب ولا ينهيها.

تستمر السعودية في ادارة الفوضى والعبث وسياسة فرق تسد، ولهذا ترفض السلام الحقيقي ، وتسعى إلى سلام زائف عبر صفقات منفردة مع أطراف الصراع الداخلي مع استمرارها في الإمساك بورقة الشرعية واحتجاز الرئيس الشرعي المعترف به دوليا في الرياض.

ومع تسرب أخبار المحادثات السرية بين السعودية والحوثيين وذهابهم في مباحثات البحث عن صفقات تعفيهم من إستحقاقات السلام، تجد الأغلبية من اليمنيين نفسها بحاجة الى دعم المجتمع الدولي لتقديم مساندة حقيقية تخرج اليمن من هذه الثنائية القاتلة: إما حرب عبثية يديرها التحالف السعودي الإماراتي بالفوضى وزراعة الميليشيات وتقسيم الارض اليمنية، أو فرص سلام زائف تحاول فيه التخالف السعودي الإماراتي ومعها الميليشيات الإنقلابية، أن تتحكم بمخرجاته عبر عزل القضية اليمنية عن المجتمع الدولي، وتصفية الشرعية اليمنية عبر إتفاقات مجزأة، تستخدم للكذب على المجتمع الدولي لاخلاء مسؤولية الرياض وأبوظبي من ادارة الحرب  في اليمن، وفي نفس الوقت اعادة تموضعهما عبر الميليشيات التي تدعمانها، وفرض سلطات أمر الواقع تدين بالولاء لهما لا للجمهورية اليمنية ولا لسلطتها الشرعية. 

إن مثل هكذا سلام سيكون أداة لإضفاء المشروعية على سلطات الأمر الواقع وعلى الوصاية والإحتلال السعودي الإماراتي لأجزاء واسعة من اليمن تضم سواحله وموانئه البحرية وجزره ومناطق ثرواته النفطية والغازية. 

وإننا نرى أن توجها صادقا لإنهاء الحرب وإحلال السلام مرهون بتوجهات جادة من الدول الكبرى والمجتمع الدولي والامم المتحدة لاحلال سلام حقيقي ومستدام في اليمن. 
السلام الحقيقي والمستدام بالنسبة لنا نحن اليمنيين يعني إنهاء الاحتلال والوصاية السعودية الاماراتية على اليمن.
السلام بالنسبة لنا نحن اليمنيين: يعني ايقاف بيع الاسلحة للسعودية والامارات، وايقاف ايران من و كافة اشكال الدعم للحوثيين. 
السلام يعني نزع الاسلحة من جميع الميليشيات وان تكون الدولة وحدها فقط صاحبة الحق الحصري في امتلاك السلاح. 
السلام بالنسبة لنا نحن اليمنيين يعني عودة الدولة اليمنية اولا الى المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وفتح حوارا واسعا بين اليمنيين، يمكن اليمنيين من استعادة التوافق والإتفاق على إستكمال عملية الإنتقال السياسي بما يحافظ على الجمهورية اليمنية ووحدة وسلامة أراضيه، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني وعلى راسها تنظيم عملية الاستفتاء على مسودة الدستور وتنظيم الانتخابات المختلفة.


أخيرا..أود ان أؤكد على ان الحرب في اليمن هي جزء من استراتيجية تقودها دول الثورات المضادة  كعقاب للشعب اليمني على ثورته السلمية في 2011، كان مركز الثورة المضادة في الرياض وأبوظبي مدفوعا بهدف إفشال ربيع اليمن، وإعادة اليمن إلى نقطة الصفر، وتوجيه اليمن باتجاه نموذج لا يكون مغريا للجوار الخليجي الذي أصابه الهلع من انتفاضات الشعوب والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ومن جهة اخرى التمكن من احتلال اليمن وفرض الوصاية عليه. 

أود ان اؤكد ان شعبنا اليمني العظيم يمتلك إرادة لا تلين، وإصرار على تجاوز أثار هذا التآمر الحرب المدمرة. نعم، نحن نحتاج لعون العالم الحر ودعمه، لكن إذا لم نحصل عليه، فلن نستسلم لأمراء الحرب المحليين والاقليميين والدوليين. وحتما سوف ننتصر، وتعود اليمن واحة للحرية والتسامح والعمل.