English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أثناء مراسيم تسلمها شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة سيزار فاييخو - البيرو 

مجلس أمناء جامعة "سيزار فاييخو"، رئيس الجامعة الدكتور هونوريس كوسا، هيئة التدريس الموقرين، أشكركم على منحي شهادة الدكتوراه الفخرية، إنه لشرف كبير أن يحظى شخص ما بتقدير من هذا النوع.

أود أن أشكر الطلاب والطالبات، أشكر الحضور، أشكركم جميعا، وسوف أتذكر هذه اللحظات بكل فخر واعتزاز، أشكركم جميعا.    

أن تكافح من أجل حقوق الإنسان وحرية التعبير، فأنت شخص جدير بالاحترام، كنت أقول لنفسي هذا الكلام لأعزيها عندما تتعرض للخذلان، ولاحقا أدركت أن الانتصار للحرية هي أعظم ما يقوم به الإنسان في هذا العالم، الحياة من دون حرية، لا تساوي شيئا.

قبل نحو خمسة اعوام، وبالتحديد في اكتوبر 2012 كنت هنا في البيرو للمشاركة في مؤتمر الحركة العالمية من أجل الديمقراطية، في تلك الأثناء لمست رغبة الناس في بناء نموذج ديمقراطي مدني ومتحضر، ولم يكن ذلك مفاجئا لي، فالبيرو هو موطن الأنكا، الحضارة التي شكلت اضافة مهمة للحضارة الإنسانية.

 لا أعرف وقتها، لماذا شعرت بأني سأعود إلى هنا مرة ثانية، كنت على ثقة بأني سوف أرى البيرو مجددا. أشعر بسعادة كبيرة لأني عدت وسط أجواء مثل هذه، أجواء مليئة بالمحبة والتقدير والاحترام.

عندما كنت طفلة كان والدي وهو وزير سابق واستاذ فقه دستوري يتحدث معي في شؤون السياسية بكل جدية، وكان هذا يسعدني، فقد كنت اعتقد أن ما يقوله والدي كلام مهم، كان منزلنا مهموم بالشأن العام مثل اغلبية منازل وبيوت اليمنيين. لقد ذكرت في مناسبات كثيرة تأثير ذلك المناخ الايجابي على اختياراتي المستقبلية، وعملي في المجال العام، لقد وجدت نفسي تلقائيا في ميدان النشاط المدني للدفاع عن حقوق الإنسان، وقد استفدت من اطلاعي المبكر على المواثيق الدولية والعهود والاتفاقات الخاصة بالحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية. لقد قررت مع بداية نشاطي الحقوقي، أن أجعل ما ورد في تلك الاتفاقات هو سقف طموحي. كنت وأنا أخوض في السياسة والنشاط الحقوقي والصحافة أفعل ذلك من أجل غاية واحدة، احترام حقوق الانسان والتصدي للانتهاكات التي يرتكبها النظام ومؤيدوه، كان نشاطي يدور حول هذه الغاية، أكافح من أجل حقوق وحريات كاملة لا وفق هامش يرضى بما هو متاح.

إن أفضل ما قمت به حسب تصوري، هو أني قمت بتحديد موقعي منذ البداية، فكنت أصطف مع الضحايا من أصحاب الرأي والمعارضين السياسيين وأصحاب المصلحة في التغيير ضد منتهكيهم، وسرعان ما تكونت لديّ علاقات واسعة مع نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات المعنية في الدفاع عن حقوق الانسان في العالم التي ساندتني وتضامنت معي في غمرة تصدري للنشاط المدني المدافع عن الحقوق والحريات. كما تكونت لديّ علاقة مع شبكة واسعة من وسائل الاعلام القنوات والصحف العالمية والعربية المشهورة وعبرها كنت أحد طريقا لتسليط الضوء على القضايا التي أدافع عنها.

لقد اعتبرت الحرية وحقوق الإنسان قضيتي، وكان هذا يثير غيظ المستبدين واتباعهم الذين سعوا لتشويه مواقفي، وتشويه مفهوم الحرية ومفهوم حقوق الإنسان، لكن الناس كانت تدرك ان ما أقوله هو الصواب، وهذا جعلني أكثر إصرارا على المضي في هذه الطريق مهما كانت الصعوبات.

إننا عندما ندعو إلى الحرية، فإننا لا نقوم بذلك لكي نتفلت من أي التزامات أو مسؤوليات، ولكن لكي نحافظ على كرامتنا وعلى أدميتنا، ففي النهاية الحرية ليست سوى فرصة ليكون المرء أفضل حسب تعبير ألبير كامو، وباعتقادي أن الاشخاص الذين يفتقدون إلى الحرية يفتقدون القدرة على التسامح أو الابداع أو الحياة بطريقة ايجابية.

لقد أدركت منذ وقت مبكر خطورة تكبيل المجتمع بقوانين سالبة للحريات، لقد قررت أن تكون معركتي هي الحرية، فقمت بتنظيم عشرات الاعتصامات والمسيرات دفاعا عن حق التعبير وحق تملك وسائل الإعلام، وحق الصحفيين في نقل الأخبار دون أن يتعرضوا للرقابة والمساءلة.

البعض يسأل وما يزال، هل تستحق الحرية كل هذا العناء، هل يجب أن ندفع اثمان باهظة من أجل الحرية، في كل مرة اجيب على هذا السؤال: نعم، الحرية تستحق، ليس في قضية الحرية حل وسط كما يقول أحد أهم قادة مقاومة الاحتلال الفرنسي للمغرب عبد الكريم الخطابي.

في اليمن ساهمت مع ناشطين آخرين في إنشاء ساحة الحرية أمام مجلس الوزراء، كنا نعتصم هناك يوم واحد في الاسبوع، كنا نعتبر أن من واجبنا أن نساعد شعبنا على الاعتراض على سياسات النظام القائمة على التهميش والفساد وسرقة المال العام. لقد تعرضنا لمضايقات كثيرة ومخاطر متعددة، لكننا قررنا المضي في طريقنا، فالمسائل بالنسبة إلينا كانت واضحة، إما حرية أو عبودية، ولم نكن لنقبل أن نكون جزءا من القطيع.

لقد اثمرت تلك الجهود في توسيع المعارضة الشعبية ضد نظام المخلوع علي عبدالله صالح، وصولا إلى ثورة 2011 التي اطاحت به، ورسمت مسارا انتقاليا سلميا قبل أن ينقض عليه انقلاب يقوده المخلوع صالح وميليشيا الحوثي وهي جماعة متطرفة تتدعي أن من حقها أن تحكم وتستحوذ على المال لأسباب عرقية.  

اليوم يكافح اليمنيون الانقلاب والتبعية معا، إنها معركة صعبة للغاية، لكن المستقبل سيكو لنا، لا أفق للذين يصنعون الخراب في كل مكان، لا مستقبل.      

دعوني أبين لكم ماذا يحدث في العالم العربي، هناك أنظمة قمعية تنهب الثروات وتسحق الكرامة الإنسانية، وتشتري بقاءها بعقد صفقات غير عادلة مع الدول الغربية، وهذا جانب من الكارثة لا يريد كثيرون الاعتراف به. إن دور الحكومات الغربية في دعم الاستبداد في الشرق الأوسط حقيقة لا يستطيع أحد انكارها، لقد خسرت تلك الحكومات احترام شعوب المنطقة، لم يعد أحد يثق بما ترفعه تلك الحكومات من شعارات رنانة عن الحرية وحقوق الإنسان.

عندما تحركت الشعوب العربية لإسقاط هذه الأنظمة المستبدة، التزمت بالكفاح السلمي واللاعنف، لقد كان هذا السبب الحقيقي الذي أدى لفقدان هذه الانظمة مشروعيتها.

عندما أعود بالذاكرة إلى عام 2011 وانطلاق ثورات الربيع العربي، أزداد يقينا باننا مارسنا كفاحا سلميا غير مسبوق في التاريخ الانساني، مارسناه بجسارة لم تتكرر إلا في حالات نادرة جدا، كانت جموعنا السلمية تواجه الرصاص بالصدور وبالورود، ولا تتراجع إلى الخلف، بل تواصل تقدمها صوب القتلة لتلقي المزيد من الرصاص ولتدفع التضحية المستحقة للتغيير، كنا نعلم ذلك، الشهداء لا يموتون وحين يكونون في كفاح سلمي فإنهم ينبتون فور صعود أرواحهم للسماء، يحلون في أجساد كثيرة يمنحونها الشجاعة والجسارة والنزاهة.

اليوم وبعد صعود الثورات المضادة، نزداد يقينا بأن ما قمنا به هو الصواب، نعم هناك معاناة كبيرة، لكن الخيارات المطروحة أمامنا كانت أكثر سوءا، هناك إصرار على سلب حريتنا، ونحن مصرون على انتزاعها مهما كانت التضحيات.

نعم، الأخبار السيئة تأتي دفعة واحدة كما يقال، لقد تزامن صعود الثورات المضادة بصعود الحركات السياسية التي تقوم على الكراهية والعنصرية في كثير من دول العالم، ومما يؤسف له، أن يساهم رئيس أكبر دولة في العالم وهو ترامب في تغذية هذا الوباء الذي يهدد أمن واستقرار العالم.

إن العنصرية والكراهية والإرهاب اعدائنا جميعا، ويجب أن نتكاتف من أجل وضع حد لكل ذلك، يجب أن نكون شجعانا ونحن نواجه العنصرية، ونحن نواجه الإرهاب، ونحن نواجه الاستبداد، يجب أن نكون شجعانا إزاء كل ذلك.

دعوني أخبركم أني لا أؤيد مطلقا أي فصل بين الإرهاب والاستبداد، لطالما قلت أنهما وجهان لعملة واحدة، وهما كذلك فعلا، لنتخلى عن النفاق، ومحاولة استرضاء المستبدين، إن العالم سيبدأ في التعافي عندما يبدأ في محاكمة وازدراء المستبدين كما يفعل مع الإرهابيين.

الذين يسحقون الكرامة الإنسانية وينصبون المشانق لأصحاب الرأي الحر، مجرمون لا تمييز بينهم.

علينا أن نساعد مجتمعاتنا على إحقاق العدالة، على تحقيق المساواة بين الناس، على مكافحة العنصرية والكراهية، يجب أن نكره الظلم، لكن يجب ان نحاسب الظالم.

رغم ان الاخبار السيئة تأتي دفعة واحدة، الا أنني أؤمن بان المستقبل واعد بالخير، كلما شاهدت أشخاص مثلكم حريصون على التعلم وعلى الانفتاح على الآخر أحسست بالتفاؤل والأمل معا.

شكرا لكم، أشكر محبتكم، أشكر تقديركم، شكرا لكم...