English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان في مؤتمر المساواة بين الجنسين - ميونخ/المانيا 

بدايةً أود أن أعبر عن تقديري للجهود التي تبذلونها لتعزيز الكفاح المستمر من أجل حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، من خلال برنامج الشراكة بين بلدان الجنوب والشمال وخاصة ألمانيا، ومنها لقاءنا اليوم في هذه الفعالية التي ترعاها اللجنة الوطنية للمرأة التابعة للأمم المتحدة في ألمانيا.

نلتقي اليوم من أجل دعم نضالات المرأة وكفاحها من أجل المساواة والحصول على حقوقها الكاملة، والمشاركة في بناء مجتمعاتها في السياسة والإقتصاد والتنمية.
مثلت قضايا المرأة ودعم نضالاتها من أجل المساواة والمشاركة والحصول على حقوقها الكاملة موضع إهتمام أساسي في سلم أولويات المنضمات الأممية الخاصة بالمرأة، وشركائها المحليين في كل دول العالم.
وهذه الفعالية التي جمعتنا اليوم هي خطوة أخرى في هذا التشابك العالمي من أجل قضايا المرأة، وتضيف الكثير من خلال مبادرتها بفتح قنوات تواصل ومشاركة بين بلدان الشمال الغنية وبلدان الجنوب الفقيرة ، على اختلاف مستويات التقدم الذي قطعته المرأة في طريقها الشاق والطويل من أجل الحياة بكرامة والإنعتاق من الظلم والقهر والتمييز.
سيكون لاستمرار هذا التشابك العالمي بين الحركة النسوية ومنظمات المجتمع المدني المحلية والعالمية والدول المانحة على المستوى العالمي تأثيرا مهما من اجل احداث فرق في قضايا حقوق المرأة والمساواة والمشاركة والتعليم والتغيير الثقافي والتحرر من الاستبداد والإظطهاد  السياسي والاجتماعي والاقتصادي.  

أعزائي عزيزاتي ؛؛
تعلمون جميعا ان بلدان الربيع العربي شهدت ثورات شعبية سلمية وحروبا مدمرة تسببت فيها الثورات المضادة.
كانت الثورات السلمية مناسبة لخروج النساء والرجال معا للتطلع نحو مستقبل تسوده العدالة والمساواة لكل مكونات المجتمع برجاله ونساءه. الطبيعة السلمية للثورات هيأت مناخا ملائما لتلك اللوحات الزاهية للتوحد المجتمعي من أجل الحرية والكرامة.
قبل ثمان سنوات كان شعار "صوت المرأة ثورة" واحدا من هتافات الثورة السلمية في بلدي اليمن. كانت المرأة في مقدمة الصفوف في توحد شمل كل فئات المجتمع رجالا ونساء وشبابا وكهولا تحت هدف واحد: التغيير.
كان التغيير السلمي منهج ثورة 11 فبراير في اليمن وثورات الربيع العربي عموما، وكانت سلمية الثورة بابا واسعا اجتذب كتلة سكانية نسوية واسعة من كافة ارجاء اليمن للإسهام في صناعة التغيير وللمشاركة في اهم حدث في تاريخ مجتمعها.  
خرجت المرأة في الموجة الأولى للربيع العربي لتقول إن المجتمع لا ينهض بجناح واحد وإن المساواة هي ما يليق بالرحال والنساء جنبا الى جنب. خرجت المرأة لترفع صوتها بالهتاف من أجل الحصول على فرص افضل للحياة والعمل والعيش الكريم والتمتع بالحقوق والحريات المكفولة لكل البشر دون تمييز.
على عكس ذلك جاءت حروب الثورات المضادة في بعض بلدان الربيع العربي ووجدت النساء في مجتمعاتنا أمام واقع مختلف تتسيده الجماعات المسلحة والميليشيات المذهبية المتطرفة، وكلها تعمم نظرة دونية للمرأة وتعمل على مصادرة الحقوق المكتسبة الضئيلة التي راكمتها مجتمعاتنا عبر نضال طويل وشاق.
لكن هذه الحروب ليست النهاية، فقد جاءت الموجة الثانية للربيع العربي من الجزائر والسودان والعراق ولبنان لتأكيد حقيقة الربيع العربي باعتباره تحولًا لا رجعة عنه في تاريخ الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه .
لقد حاولوا أن يروعوا مجتمعاتنا بتحويل بلدان الموجة الأولى ساحات للعنف والحروب.
لكن كل ذلك العنف والترويع وتغذية الحروب الأهلية لم يطفئ جذوة الأمل والتوق لتغيير الأنظمة المستبدة والطائفية التي كتمت أنفاس مجتمعاتنا رجالها ونسائها.
تنكسر اليوم كل المخاوف في ساحات الموجة الثانية للإنعتاق.
توجهات تركيع مجتمعاتنا العربية بالحروب الشاملة هزمت في 2019 بعد ثمان سنوات من الحرب المفتوحة أخرجت خلالها محاور العداء للثورات في السعودية وإيران ، وخلفهما حلفائهما الدوليين الكبار ، كل ما في مخزونهم من حيل وأدوات لوأد الثورات السلمية.
مئات الآلاف من الرجال والنساء يكتبون مستقبلنا في بيروت وبغداد بسلميتهم وإرادتهم وإيمانهم بحق الكرامة للإنسان في وطنه ورفض الطائفية والفساد والتمييز والإستبداد.
شعوبنا العربية تعيد في الموجة الثانية للربيع العربي 2019 ما هتفت به وخرجت من أجله الموجة الأولى في 2011.
موجة ثورات الكرامة الثانية تأكيد إضافي على توق مجتمعاتنا للحرية والكرامة والثورة لإسقاط الأنظمة الطائفية الفاسدة لتلحق بالمخلوعين والساقطين ، وإن غداً لناظره قريب.

أعزائي عزيزاتي ؛؛
لم أجد مدخلا للحديث عن المرأة ونضالاتها من أجل المساواة وانتزاع حقوقها، أفضل من هذه التجربة التي عشناها في اليمن وبلدان الربيع العربي، نساء ورجالا في مواجهة من يصادر حريتنا جميعا، المرأة والرجل، وتحت ذلك تتنوع كل أشكال التمييز والقهر والاقصاء والمصادرة للحقوق، ولكنها تحت سقف جامع لكل اشكالها المتباينة المستويات.   
ان تجربتنا تلهمنا القول إن لا تحرر للمرأة من دون تحرر المجتمع بكامله. هذا ما تثبته أحداث التاريخ بكل ما يحفل به من ثورات وتغييرات ومحطات. من هنا يمثل دور المرأة في التغيير طليعة جهودها للانعتاق من الضيم والإلغاء والقهر والتمييز الذي تعاني منه. 
فمن خلال تجاربنا وأوضاع بلدان عديدة مرت بتجارب مماثلة تتأكد دائماً حقيقة أن قضية المرأة لا تحقق تقدما فارقاً دون أن يواكب ذلك تقدما في تغييرات وتحولات تشمل المجتمع بأسره، الدولة والقانون والنظام القضائي والحقوقي، وتحقيق نهضة نوعية في التعليم توفر مناخات ملائمة للتقدم في قضايا المرأة ونضالاتها من أجل الكرامة والمساواة ونبذ التمييز والظلم والإستعباد.
كانت الآمال كبيرة، وما تزال، من أجل احداث تحول جذري في قضايا المرأة والمساواة بين الجنسين، من خلال النضال من أجل تحرير المجتمع كله من الإستبداد وثقافة التطرف الديني وجماعاته.
ثورات الكرامة العربية جمعت الرجال والنساء الذين خرجوا مطالبين بمواطنة يتساوى تحت قانونها ودستورها الجميع رجالا ونساء، مواطنة لا تمييز فيها بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو العرق والمذهب والدين والمستوى الاجتماعي والنفوذ. وخلال ثمان سنوات حاولت بنى الإستبداد والتطرف، وهما متداخلتان ومتشابكتان، حاولت إعاقة كل هذه الطموحات وأعلنت الحرب ضد المجتمعات الثائرة في 2011، وأجلت بذلك هذه التحولات التي لاحت في متناولنا لاحداث فارق في وضع المرأة.
لكن التغيير الذي بدأناه لن يتوقف. موجة الربيع العربي الثانية في 2019 أسقطت حاجز الحرب وفتحت أفقًا واسعًا لمسار التحول في البلدان العربية.
إستمرار الثورات السلمية الشعبية في 2019 أسقط الحرب وتجاوز حاجزها.
النضال السلمي أسقط الحرب التي كانت وماتزال مشروع قوى الثورة المضادة والاستبداد والظلم والتسلط على المجتمع برجاله ونساءه ، وهي قوى من مصلحتها ابقاء وضع المرأة اكثر تخلُّفا ومنع اي تحولات تكسر التمييز ضدها وتحقق المساواة بين الرجال والنساء.
***
الأصدقاء والصديقات؛؛
تواجه الحركة النسوية المكافحة من أجل المساواة إرثا من ثقافة التجهيل والتزمت والتطرف ساهمت في نشرها مملكة القرون الوسطى السعودية، خلال العقود الماضية، لأسباب سياسية ولإعاقة التحولات والوعي بالحقوق والحريات والتغيير عموما في هذه البقاع من العالم التي تحولت فيها الثروة الى نقمة على شعوبها، وأستخدم فيها الدين والمذاهب من قبل أنظمة ديكتاتورية لتضليل المجتمع وإخضاعه لسلطاتها المتجبرة.
لقد تغذت ثقافة التزمت والاحتقار للمرأة وتبرير إضطهادها والغاءها تماما من نهاية سبعينات القرن الماضي بصعود ثورة الخميني والملالي ذات التوجهات المذهبية المتطرفة في إيران، وقيام مملكة التطرف المقابل في السعودية بنشر موجة من الأفكار المتطرفة في البلدان العربية بالتزامن مع حرب أفغانستان. وهاتان الدولتان وجهين لعملة واحدة كهنوتية متزمتة.
لم يؤدِ بروز الارهاب كمشكلة عالمية الى إصلاح مناهج التعليم ودفع دول هذه البلدان الى الانفتاح والديمقراطية وفتح باب المشاركة امام شعوبها.
ومع ميلاد الربيع العربي في موجتيه الأولى والثانية، يقف محورا السعودية وإيران في مواجهة ثوراتنا السلمية، رغم تناقض الموقع الذي تنطلق منه هذه وتلك.
ومع ذلك تسطع اليوم في سماءنا موجة الربيع الثانية لتعلن ان التاريخ لا يعود الى الوراء. لقد اشتعلت جذوة الحرية في بلدان الربيع العربي، والمرأة وقضاياها وتحررها ودورها في قلب هذه الثورات السلمية العظيمة، المرأة جزء منها كمكافحة من اجل التغيير، وجزء من مجتمع يتطلع لِغَد مشرق وواقع أفضل يليق بالإنسان وبالمجتمع كله رجاله ونساءه.
المجد للنساء المكافحات من أجل التغيير والكرامة والحرية والعدل والمساواة في كل بقاع الأرض وكل مكان في هذا العالم.
النصر للرجال والنساء المحتشدين في ساحات الكرامة والحرية والثورة.