English

كلمة توكل كرمان في المؤتمر الدولي "من هنا الطريق...ملتقى إرادة الحياة لبناء المجتمع السوري" - اسطنبول

ألقت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان، اليوم، كلمة في المؤتمر الدولي "من هنا الطريق...ملتقى إرادة الحياة لبناء المجتمع السوري"، الذي تنظمه بمدينة اسطنبول التركية خلال الفترة 22-23 مايو الجاري، مؤسسة بصمات من أجل التنمية السورية (مقرها في لبنان) ويهدف الى بحث آليات تعافي ونهوض المجتمع السوري في الداخل ودول الجوار، ويشارك فيه نحو 400 من المعنيين في الفكر الاجتماعي وبناء الإنسان من 12 دولة حول العالم، فضلا عن نائب رئيس الوزراء التركي عمر فاروق قرقماز.

وفيما يلي نص الكلمة:
في البداية، أود أن اعبر لكم عن جزيل شكري لدعوتي للمشاركة في فعاليات مؤتمر من أجل سوريا. سوريا هذا البلد الذي يكافح من أجل حريته واستقلاله وكرامته، دون خوف أو يأس. واعتذر عن عدم تمكني من الحضور لالتزامات اخرى في نفس الموعد.
 
أيها الاعزاء 
قبل عدة أيام، استوقفتني عنوان لمجلة "فورين بوليسي" الأميريكية مفاده: "سوريا لم تعد موجودة". يبدو أن الحرب وتدخلات الشرق والغرب لإطالة عمر نظام متوحش مثل نظام بشار الأسد قد اثمرت هذا الخراب الذي لا نهاية له. لست هنا، لمناقشة عنوان كهذا، أو لمناقشة ما يتم تناوله في الميديا الغربية أو العربية، لكني معنية بالقول: إن سوريا بلد عريق، ويستحق أن يعيش في سلام، وفي حرية، إنه لمن المعيب أن يتم السماح لنظام فاشي بممارسة أقسى وابشع الانتهاكات في حق المدنيين.

يعتقد نظام بشار الأسد انه بمنأى عن العقاب، لذا يرتكب جرائمه بقسوة يندر أن تجد لها مثيلا في التاريخ، يتوكأ في ذلك على ميليشيات إيرانية وميليشيا حزب الله اللبناني ودعم عسكري من قبل روسيا، وفي المقابل هناك تواطؤ غربي وعربي لم يعد خافيا على أحد، ما يحدث للشعب السوري سوف يتذكره العالم باعتباره جريمة كبرى متفق عليها، ما أسوأ ذلك.

اصدقائي صديقاتي..

لست هنا بصدد لأذكركم بجرائم نظام بشار الأسد، فالقائمة طويلة جدا، وانتم تعرفونها جيدا، وتحفظون اسماء ضحاياه مثلما تحفظون اسماءكم، لست هنا لأخبركم عن معتقلاته الرهيبة، وبراميله المتفجرة، وجنون العظمة الذي ينتابه كلما سمع كلمة حقوق الإنسان، ولكني هنا لأقول كلمة للتاريخ: ما فعله نظام الأسد سوف يدفع ثمنه باهظا، الطغاة يسقطون أسرع مما يتوقعون.

سوف يصنع السوريون المعجزة، ويخرجون من دوامة العنف، وسوف ينتصرون على الاستبداد والإرهاب معا، فالاستبداد والإرهاب يستفيد كل واحد منهما من الآخر، ويجب طي صفحتيهما معا، لا يمكن أن نقبل بالاختيار بين الاستبداد أو الجماعات الارهابية، نحن نرفضهما معا، نرفض أن نعيش مجردين من حقوقنا الانسانية وحريتنا، ليرحل المستبدون والارهابيون  غير رجعة.
إن موقفنا الرافض للاستبداد والارهاب على حد سواء موقف اخلاقي، لا يستطيع أحد في هذا العالم ان يقنعنا ان أيا منهما يستحق دعمنا، لا يستطيع.

اخواني..واخواتي

تستنفر الحكومات الغربية جهودها للحيلولة دون وصول اللاجئين السوريين إلى أراضيها، أود أن أقول لهذه الحكومات: لو أنكم  في أوربا لم تتواطأوا مع نظام مثل نظام الأسد، لو أنكم ساعدتم الشعب السوري في بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، لو أنكم واتساقا مع ما ترفعونه من شعارات وقفتم ضد جرائم بشار الأسد، ومنعتم تدفق الارهابيين الى الاراضي السورية، لكنتم وكنا نحن أفضل حالا.

إن العالم اليوم يدفع ثمن تخليه عن الشعب السوري، وهذا الثمن سيتضاعف في الأشهر  والسنوات المقبلة، فالنظام السوري وحلفاءه من الدول والجماعات الارهابية مصممون على ابادة شعب كامل من أجل أن يبقى شخص واحد على كرسي السلطة،  ليبقى الرئيس ويذهب الشعب إلى حتفه. ما احقر هذه الصفقة!!

اخواني..واخواتي 

تواجهون في سوريا حربا ظالمة تريد أن تعيدكم عبيدا بعد أن صرتم احرارا، لكن هيهات أن يحدث ذلك، غدا سوف يبدأ صباحكم من دون بشار الأسد أو عائلته أو قواته، لا أعرف أن ديكتاتوريا واحدا تمكن من هزيمة شعبه.

كما تعلمون يتم تسويق حلول غير منصفة ترتكز على بقاء بشار الأسد في سدة الحكم واجراء اصلاحات شكلية، وانتخابات هزلية، يعتقدون انهم قادرون على خداعنا، يتوهمون انهم يستطيعون ترميم شرعية الأسد التي تسبح فوق محيطات من الدم السوري بإجراء اصلاحيات شكلية على النظام.

إن أي حلول تضمن بقاء بشار الأسد في منصبه هي حلول ضد العدالة والانصاف وضد المستقبل. إن استمرار بشار الأسد في منصبه، له معنى وحيد، هو استمرار الانقسام والمظالم، وهذا ما لا يجب القبول به. إن استمرار بشار الأسد في منصبه، هو اعتداء على الانسانية.

أعرف أن جراحنا على امتداد خريطة الربيع العربي كبيرة، أعرف كم كانت السنوات الماضية مليئة بالأحزان والفقد، العالم كله يرى ذلك كل يوم، لكني أعرف أننا شعوب لا يمكن كسرها.

اخواني..واخواتي

بعد ست سنوات من الربيع العربي ومن الثورة المضادة التي تنتهج اساليب القتل والتعذيب والتهجير والدمار، لنا أن نسال لماذا يجب أن يحدث كل ذلك؟

كلنا نعرف أنه لا ينقص اتباع الأنظمة الاستبدادية الوقاحة لكي يلوموا الربيع العربي واتهامه بانه جزء من مؤامرة كونية تستهدف الدول العربية والإسلامية، وبأنه السبب في هذه الحروب والفوضى التي تجتاح المنطقة.

نعم، منذ ست سنوات ونحن نسمع هذا الهراء، وهذه الاكاذيب، لكن لم يفت ذلك في عضدنا، فنحن نعلم ان ثوراتنا كانت لتكريس مبادئ الديمقراطية والحرية والمواطنة دون تمييز، واحترام القانون الذي لم يكن محترما في ظل هذه الأنظمة الاستبدادية. 

من حقنا أن نعيش في بلداننا احرارا، لسنا عبيدا لأحد، ومن حقنا أن نختار من يحكمنا مثل دول العالم، فنحن لسنا متاعا يتوارثنه، ولسنا فاقدي الأهلية حتى يقال لنا قوموا لبيعتكم دون اعتراض.

لقد جسد الربيع العربي وحدة الشعوب العربية في التطلع لإقامة دول ديمقراطية على انقاض دول الرعب والمحسوبية والفساد والارتهان للأجنبي، وهذا ما اثار حنق انظمة القمع والفساد التي ما تزال تحاول عبر اموالها وخبراتها القمعية أن تطفئ نور الربيع العربي، وتكسر ارادته الحرة، وهو ما لن تنجح فيه، فالشعوب باتت أكثر وعيا بخطر الاستبداد على مستقبلها.
 

في الأخير أيها الأعزاء  
لقد دارت عجلة التغيير في بلداننا ولن تقف قبل أن تطوي عالما كاملا من الطغيان والقمع والأجهزة والسجون والقهر والاضطهاد والاستعلاء والتمييز والفساد. ويكشف هذا المخاض الدامي حجم التراكم تحت سطح الاستقرار الخادع الذي قدم دائما في الماضي مبررا لمقايضة الحرية والديمقراطية من قبل النظام العالمي والدول الكبرى المسيطرة على النظام العالمي. 

إن الربيع العربي قد بدأ عملية تاريخية لا تنقضي بين يوم وليلة بمجرد إزاحة رأس الطغيان والفساد، إنها عملية طويلة من إعادة تشكيل الوعي بالحرية والكرامة والمساواة وبناء السياسة والدولة والاجتماع العام على هذا الوعي الجديد. 

إن مواجهة الثورات المضادة ليست سوى جولة في مسار الثورة الشعبية التي انطلقت بعفوية وتلقائية كأنها واحدة من حركات الوجود الطبيعية التي لا تستأذن أحدا ولا تنتظر تخطيطا مسبقا ولا ترجع للوراء، خوفا من الصعوبات والعوائق والأثمان الباهظة.

إنها معركتنا الكبرى من أجل الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والمساواة تجتمع كلها في كلمة واحدة: الربيع العربي. 

وهي بهذا لا خريف لها، بل ربيع دائم في نفوس الشباب التي توقدت بها قبل ست سنوات مع أول شعلة توهجت في تونس الحبيبة. هذا هو قانون الحياة، كفاح من أجل تحقيق الذات، رفض الظلم، والانحياز لقيم الحرية والكرامة والتضامن الإنساني.

لديّ يقين يزداد كل يوم، أننا سوف ننتصر في النهاية، لا يمكن أن نسقط امام تحالف قتلة طارئين، لست هنا لأبيع لكم الوهم، أنا مؤمنة بأننا سنعبر هذه المرحلة، أنا مؤمنة بقوتنا وبعدالة قضيتنا، مؤمنة أن الطغاة يربحون لبعض الوقت، لكنهم يخسرون دائما، لا أحد أكبر من الشعوب، لا أحد أكبر منكم، ثقوا أن الله معكم ولن يتخلى عنكم، ثقوا بقدرتكم على تحقيق التغيير المنشود، وبناء دولة مواطنة تحترم حقوق الإنسان دون تمييز.

بالنسبة لي، لا يساروني شك بأن هذا سوف يحدث.. 

المجد للثائرين من أجل كرامتهم وحريتهم وأدميتهم احياءا وشهداء وجرحى..