English

كلمة الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان خلال المنتدى السياسي الرفيع المستوى للتنمية المستدامة لعام 2016 في نيويورك 

أيها الأعزاء: إن أهداف خطة التنمية العالمية المستدامة لما بعد 2015 وغاياتها متكاملة وغير قابلة للتجزئة، وهي عالمية وشاملة لا تغفل جانبا من جوانب التنمية المستدامة في الخطط الوطنية ولا تغفل دولة في العالم. كما تراعي اختلاف الواقع المعاش في كل بلد وقدراته ومستوى تنميته.

تعتبر أهداف التنمية المستدامة ال 17 أهدافا مُلهمة وعالمية، كل حكومات العالم مدعوة إلى أن تقرر كيفية إدماج هذه الأهداف في عمليات التخطيط والسياسات والاستراتيجيات الوطنية التابعة لها، حيث تحدد كل حكومة أهدافها الوطنية الخاصة بها مسترشدة بمستوى الطموح العالمي.
المؤسف أنه على الرغم من عظمه وأهمية هذه الأهداف وضرورة تنفيذها لما فيه خير البشرية والأرض، إلا أن تنفيذها والالتزام بها هو أمر طوعي للدول، ليس هناك إجراء أممي يلزم الحكومات بوضعها في خططها واستراتيجياتها، فضلا عن الالتزام بتنفيذها، كما أن ليس هناك إجراء أممي ملزم للدول التي تعهدت بتمويل التنمية المستدامة بدفع تلك الأموال بطريقة دورية ومستدامة وسنوية من دخلها القومي، وهذا يتناقض مع جوهر فكرة أن التنمية العالمية المستدامة متعددة الأبعاد أمر ضروري ليس فائض عن الحاجة وهو حق لكل بني الانسان وواجب على كل الحكومات.
فالتنمية البيئية مثلا قد يؤدي عدم مراعاتها إلى نسف مستقبلنا المشترك، مستقبل كل من يعيش على وجه هذه الأرض.
المؤسف ان كثير من الدول المتقدمة لا تراعي سلامة الأرض وهي تمضي في هوس التصنيع والبحث عن المعادن وغيرها من الأنشطة التي لا تراعي سلامة الأرض والمناخ وتهدد النظام الايكولوجي والتنوع البيولوجي .
لدينا خشية من أن يكون القول الدائم حين مناقشه ووضع خطط التنمية المستدامة العالمية بضرورة "مراعاة الاولويات والظروف الوطنية"، بمثابة مبرر لبعض الدول للتخلف عن المضي في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة وتضمينها في الخطط بصورة متوازنة، أو في اغفال أحد الأبعاد بحجة الأولويات الوطنية وقدرات الدول، كما قد يصبح أيضا عذرا للدول الملتزمة في تمويل التنمية العالمية للتنصل من تعهداتها المتعددة في العديد من القمم والمؤتمرات الدولية وأخرها في قمة أديس أبابا.

أيتها السيدات أيها السادة:
المؤسف أن هناك دول متقدمة أو نامية أو فقيرة قد تتخلف عن الركب
تخلف الدول الغنية أو المتقدمة عن الركب يتخذ أبعادا شتى، وذلك حين لا تقوم بوضع الخطط وفق أهداف وغايات التنمية المستدامة متعددة الأبعاد، ولا تعبأ بسلامة البيئة ولا تهتم بالتنمية الاجتماعية على المستوى الداخلي، وحين لا تلتزم في تمويل التنمية المستدامة العالمية وفق الالتزامات المقدمة منهم في القمم المتعلقة بتمويل التنمية كما قلنا .
أما الدول الفقيرة والنامية قد تتخلف عن الركب لعجز في التخطيط والفشل في الإدارة أو نتيجة فساد، أو لفقر في التمويل.
إن فكرة أهداف الألفية الإنمائية واجندة التنمية المستدامة تقوم في جوهرها على أن الأرض أمنا وبيتنا، وأن سلامتها حق للجميع وواجب على الجميع، وعلى أن العولمة يجب أن تكون ايجابية يستفيد من خيراتها الجميع لا أن تذهب سلبياتها للفقراء، ويحتكر ايجابياتها الاغنياء ويلقون بالآثار السلبية على الدول الفقيرة.
لنقلها بصراحة، إذا التزمت الدول المتقدمة بحماية البيئة وحفظ المناخ في أنشطتها المختلفة وفي دفع نسبتهم السنوية في تمويل برامج التنمية العالمية سنكون قد قطعنا نصف المسافة، وإذا التزمت الدول النامية والفقير بالرشد بالإدارة بما يكفل الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد ،والتخطيط السليم لتنفيذ أهداف التنمية، فسنكون قد قطعنا النصف الآخر لتحقيق الهدف الأنبل أن لا يتخلف أحد عن الركب.

أيتها السيدات ايها السادة:
عندما نتكلم عن أهداف التنمية في دول تمر بأوضاع خاصه مثل اليمن تسلب الدولة من مؤسساتها، ولا يتم تطبيق القرارات الدولية، ويتم التحاور مع مليشيات تصادر حقوق الشعب والإنسان، وفي نفس الوقت على سبيل المثال في تركيا، دوله تتقدم نحو التنمية والديمقراطية يتم محاولة الانقلاب على نظامها الديمقراطي المنتخب ومحاولة الإطاحة بكل جهودها في تحقيق الرفاه لمواطنيها على ضوء من التنمية المستدامة ، في ظل بيانات خجولة من دول تقول بأنها تدعم التنمية والاستقرار والديمقراطية والسلام!!
وعليه فعند الحديث عن الدول التي تعاني من اوضاع خاصه يجب العمل على شيئين أساسيين لتنفيذ أهداف التنمية وهما الوقوف ضد الانقلابات العسكرية و انقلاب المليشيات بحسم كونها تصادر حق الحياة والتنمية، والازدهار، والعيش الكريم ، هي تصادر مؤسسات الدولة التي ستنفذ الأهداف.
والآخر المحافظة على الأنظمة الديمقراطية و الاستجابه لتطلعات الشعوب في التغيير والحرية والكرامة، هذا هو واجب المجتمع الدولي تجاه شعوب وشباب هذه الدول التي تتوق إلى غد أفضل مبني على هذه الأهداف السامية.
كما يجب تعزيز دور المنظمات العاملة في التنمية ومنها منظمه "الفاو" وتمويل مشاريعها لتمكين المنظمة من المشاركة الفعالة في القضاء على الجوع و الفقر و تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة. وهنا اود الاشارة لتحالف منظمة الفاو مع الحاصلين على نوبل من اجل الامن الغذائي وبناء السلام . والدور الذي بإمكانه فعله في هذا الصدد.

أيتها السيدات أيها السادة:
لتحقيق اهداف التنمية المستدامة وتنفيذ غاياتها كاملة هناك أهمية بالغة للمنتدى السياسي الذي نحضر اليوم أول قمة له بعد اعتماد أهداف التنمية العالمية لما بعد 2015، كاطار مؤسسي لزيادة فاعلية الأمم المتحدة في تنفيذ الاتفاقات والقرارات الصادرة عنها وأهمها تلك القرارات والاتفاقات الخاصة بأهداف الألفية وأجندة التنمية المستدامة.
من المهم أن نعلم أنه لا ينقص العالم وجود الاتفاقات والقرارات الدولية والبرامج والخطط العالمية، الحلقة المفقودة هي غياب الآليات الأممية اللازمة لجعل تنفيذ تلك الاتفاقات أمرا الزاميا وليس طوعيا من خلال أهداف المنتدى السياسي المعلنة في القرار الأممي الخاصة بإنشائه.
يمكن القول أن المنتدى السياسي يمكن أن يكون بمثابة الحلقة المفقودة التي تدفعنا للأمام ، وبإمكانه ان يلعب دورا محوريا هاما لتحقيق متابعة تنفيذ اجندة وأهداف التنمية المستدامة لما بعد 2015نحو شامل تنعم بها البشرية جمعاء بطريقة لا يتخلف فيها عن الركب أحد ، وذلك يتطلب أن يعمل منتداكم السياسي على :
توفير القيادة السياسية وتقديم التوصيات، وتحقيق مبدأي الشفافية والمساءلة للدول ، بحيث تشمل هل تم تضمين أهداف وغايات خطة التنمية المستدامة في خطط واستراتيجيات الدول القطرية المختلفة، وهل تم تنفيذها بصورة شاملة، وصولا إلى حل الاشكالات ووضع حلول للمعيقات والتحديات، تؤدي للمضي قدما لتحقيق الخطة بحيث لا يتخلف أحد فيها عن الركب.
وهذا سيضعنا أمام الحديث عن ولاية إلزامية للمنتدى السياسي بحيث لا يتم تعطيلها بأي حجة، حتى تحت دعاوي السيادة الوطنية، ذلكم أن المصلحة العليا لأمنا الأرض، والعدالة في ضرورة تقاسم خيرات العولمة بقدر تقاسم أعباءه، تجعلان من الضروري أن نطل على العالم باعتباره وطن واحد بل قرية صغيرة.
أعلم أن هذا الحلم يحول دونه كثير من التحديات والصعوبات لكن قدر البشرية أن تمضي قدما، وأن تكافح على كل المستويات لتحقيق هذا الحلم.
شكرا لكم

توكل كرمان
المنتدى السياسي رفيع المستوى
نيويورك – 18 يوليو 2016