English

حوار الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام مع مجلة VOGUE العالمية 

في عام 2011 ، وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، باتت توكل كرمان أول يمنية وأول عربية وثاني مسلمة تٌمنح جائزة نوبل للسلام وتكون بذلك أصغر حائزة على جائزة نوبل للسلام في ذلك الوقت. بدأت كرمان، التي تعد من القياديات القلائل ذات القاعدة الشعبية في الشرق الأوسط والتي أسست منظمة صحفيات بلا قيود، مشوارها الأول بتنظيم احتجاجات أسبوعية في العاصمة اليمنية صنعاء ضد القمع الحكومي المنظم والدعوة إلى التحقيق في الفساد وغيره من أشكال الظلم الاجتماعي والقانوني. تعرضت للاختطاف والسجن والاعتداء والتهديد بسبب ارتفاع صوتها.

وبحسب "مبادرة نساء نوبل، تعرف كرمان في صفوف حركة المعارضة اليمنية بـ "أم الثورة" و "المرأة الحديدية".

 

اليوم اليمن بحاجة إلى قوتها، حيث يشهد منذ ثلاث سنوات صراع وحملة قصف قاسية لا هوادة فيها تنفذها المملكة العربية السعودية بدعم أميركي على شكل أسلحة بقيمة 100 مليار دولار تم شراؤها خلال إدارة أوباما وحدها، نتج عنها ما وصفه مسؤولو الأمم المتحدة "أسوأ أزمة إنسانية من صنع الإنسان".

 

في الأسبوع الماضي، صوت مجلس الشيوخ الأميركي الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري ضد قرار مؤيد من الحزبين صاغه بيرني ساندرز والجمهوري مايك لي من ولاية يوتا وكريس ميرفي كونيتيكت لوقف الدعم المالي والتكنولوجي الأميركي للسعوديين والذي تم بناء على ترتيب بدأه الرئيس السابق باراك أوباما وظل ساريا حتى في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب. هذا الدعم مكن السعوديين بحسب إحدى جماعات حقوق الإنسان من تنفيذ قرابة 16000 غارة جوية نجم عنها إزهاق ما يربو على 13500 شخص معظمهم مدنيين.

 

بحسب موقع فوكس الأميركي، قرابة 20 مليون يمني من إجمالي عدد السكان البالغ 28 مليون، قبل الحرب  بحاجة إلى مساعدات إنسانية لتلبية الاحتياجات الأساسية بما في ذلك الغذاء والماء، وأن ما يقارب مليون شخص يعانون من الكوليرا.

 

إن اليمن الذي كان قبل الحرب ضمن أكثر الدول فقرا في المنطقة يسير بسرعة اليوم نحو المجاعة.

 

وبعد يومين من إسقاط القرار، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها وافقت على بيع أسلحة أخرى بقيمة مليار دولار للمملكة العربية السعودية.

 

بالنسبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فقد اعتبره ترامب "صديق جيد جدا"، فيما حرص البيت الأبيض كل الحرص على إقناع المشرعين بأنه ليس من الحكمة  إيقاف الدعم لأن من شأنه الحاق الضرر بالشراكة الأميركية مع السعوديين. كما أشار نيكولاس نياركوس في مجلة نيويوركر في يناير إلى أن إدارة ترامب قررت فصل "حوار حقوق الإنسان" عن "حوار دعم الأمن."

 

إن ما يلعبه الغرب من دور "الراعي الصامت" لما يجري من مذبحة في اليمن لم يمر دون أن يلحظه أحد، فقد أخبرتني توكل أثناء لقائي بها هذا الشهر في مكسيكو سيتي في مهرجان ليبراتاتوم بأن المجتمع الدولي تنكر للمبادئ التي دعا لها.

 

وقالت بأن "العديد من الدول الغربية تفضل مصالحها مع أولئك المستبدين على الحرية والقيم الديمقراطية التي كانوا يتشدقون بها"، مضيفة بأن "ما حققته الثورات المضادة والانقلابات العسكرية والمليشيات الطائفية من انتصارات مؤقتة يعود كله لدعم وصمت ومباركة المجتمع الدولي."

 

إن هذا الانقضاض على اليمن سببه اندفاع الناس نحو القيم التي ينادي بها الغرب كـ "الحرية والديمقراطية وحكم القانون" وهي قيم يعارضها أولئك الذين يخشون شعوبهم ويريدون أن يعطوها درسا بأن هذا مصير من يخرج على الحاكم. 

 

أميركا اليوم تتخلى عن مساندتها لأولئك الذين يسعون إلى الاحتفاء بالقيم الغربية ومحاكاتها واختارت عوضا عن ذلك دعم الاستبداد وذلك برفضها التدخل ناهيك عن صناعة وبيع أسلحة الحرب. وتعتقد كرمان أن الحرية لا تزال تستحق الكفاح من أجلها، بغض النظر عن بطء التقدم.

 

وتضيف كرمان: "حين أتحدث في لقاءاتي وخطاباتي دوما ما أوجه سؤالا للناس في الولايات المتحدة وفي الغرب: كيف وصلتم الى هذه اللحظة من الحرية ومن الديمقراطية؟ هل وصلتم إليها هكذا بأنفسكم، هكذا فجأة ودون عناء!، أم أنه كان هناك مشوار طويل للغاية من الكفاح التي قامت بها الاجيال السابقة؟ وقدر كبير من التضحيات من الدماء والآلام والدموع التي قدمها أجدادكم وجداتكم في سبيل حريتكم وسعادتكم؟!"

 

تحدثت كرمان إلى مجلة "فوغ" حول الأزمة المستمرة في اليمن وعن سبب بقائها متفائلة حتى في وجه ما لا يمكن تخيله، حيث قالت: "نحن اليوم في عصر الشعوب الضائقة والرافضة لدولة الاستبداد والفساد والعنف والفشل، فكلما تدهورت الاوضاع كلما زاد اصرار الشعوب وزادت عزيمتهم نحو الانحياز لقيمهم الإنسانية، ونحو خلق عالم مليء بالحب والتعايش والسلام، وخال من الاستبداد والفساد."

 

في اليوم التالي لحديثنا، وقفت كرمان أمام حشد تجمع في ليبرتاتوم أمام النصب التذكاري لحرب الاستقلال المكسيكية، قائلة: "كلما كنا أقوياء في إيماننا بحقوقنا وبالإنسانية والكرامة والحرية كلما اقتربنا أكثر من الحياة التي نريدها ونتطلع ونأمل لتحقيقها."

 

وإليكم مقتطفات من مقابلة أجريناها معها:

 

* ما السبيل الى أن يصبح المرء "أم الثورة"؟

 

بدأت رحلة قول "لا" منذ أن كنت طفلة، لقد علمني والدي قول كلمة "لا"، وأن أناقش أي شيء لا يقبله عقلي أو قلبي، أن أكون في مقدمة الصفوف، ولا أخشى أحدا وألا انتظر الحلول من الآخرين، أو أتوقع المساعدة من أي أحد حتى وإن كانوا أشقائي، تعلمت منذ وقت مبكر أن أكون أنا المبادرة والمساعدة. كان أبي رجلا شجاعا وصادقا للغاية، وكان لديه مواقف شجاع أيضا من الحكومة والتي كان وزيرا فيها، فقد تقدم باستقالته من مناصب عديدة تولاها بسبب الفساد والظلم، وكان صريحا وقويا جدا في مواقفه. كانت تلك هي البداية حيث كان والدي قدوتي. 

 

حتى حينما كنت في المدرسة كانت لي كثير من المواقف داخل المدرسة مع المدرسين ومع رفاقي، وكنت انتقد أي شيء خاطئ وأعمل على جمع من حولي وأقوم بما يشبه المظاهرات والاعتصامات. وحين كبرت ووعيت لحجم الازمات المختلفة التي يعانيها بلدي. بلدي التي تعاني من الفقر ويفتقر الى التعليم والصحة والعدالة ويصور على أنه بلد الإرهاب، امتلكتُ الارادة في مواجهتها ومكافحتها، وقررت أني سأكرس حياتي في الدفاع عن حقوق الانسان ومكافحة الاستبداد والفساد، وفي بناء يمن جديد قائم على العدالة والحرية والديمقراطية والتنمية والرفاه وحكم القانون، وبأن اكون دائما على الجانب الصحيح من التاريخ مهما بلغت التضحيات.

 

وهكذا بدأت رحلتي مع الصحافة وكتبت مقالات عدة لاذعة ضد الدكتاتور أدعو إلى مناهضته والانتفاض على فساده، ثم شرعت بإنشاء منظمة تدعى منظمة "صحفيات بلا قيود" والتي كانت بوابتي للعمل المؤسسي في مواجهة الاستبداد والفساد. ثم بدأنا بالعمل الميداني في الشارع عبر تنظيم مئات المظاهرات والاعتصامات، في الوقت الذي لم يكن تنظيم المظاهرات مسموحا.

 

قررت ألا أسعى لأخذ الإذن من أحد. وسأمارس الحق في التعبير وأن أردتم منعي فاعتقلوني أو اقتلوني؟ فأنا أمارس حقي في التعبير وفق الدستور ووفق المواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها اليمن.

 

* أتخيل أن القيام بهذا العمل كامرأة في اليمن يعرض صاحبه لمجموعة من التحديات.

 

تحديات عديدة أذكر منها على سبيل المثال، ما يتصل بكيفية اقناع الناس بأهمية أن يتحركوا ضد الفساد وقمع الحريات وحقوق الإنسان، وأن هذا الموضوع مهم ولا يقل أهمية عن المتطلبات المعيشية الأخرى.

 

لا زلت أتذكر قلق والدي وشفقته عليّ، كان الديكتاتور المخلوع يتصل به يهدده: "إن لم تسكت ابنتك سنسكتها نحن"، كان والدي لا يتصور أن يراني أتعرض للاعتداءات والاعتقال بين الحين والآخر، لكني وبإصراري أقنعته بأن من لم يزرع الخوف في قلبي منذ أن كنت صغيرة، لا يمكنه أن يخاف عليّ وأنا أناضل من أجل المظلومين والمحرومين، وحصلت على مباركته هو ووالدتي ودعاءهما الدائم.

 

ومن التحديات التي واجهتني في بداية حياتي، النظرة التقليدية للمرأة، ففي البداية كان كثير من زملائي ومن أبناء المجتمع يسخرون مني لأني كنت أجوب شوارع العاصمة صنعاء مع مجموعة من ضحايا الانتهاكات، أحمل مكبر الصوت وأجوب الشوارع داعية الناس لأن يستيقظوا وأن يناصروا الحقوق ويقفوا في وجه الظلم والفساد، فكانوا يسألون في استنكار: ماذا تفعل هذه المرأة، دورها فقط يجب أن يكون في المطبخ أو في أحسن أحوالها الصفحات النسوية للصحف والمجلات.

 

حاول نظام المخلوع تشويه سمعتي كامرأة في مجتمع محافظ نسج القصص الكاذبة عني، قال عني مجنونة وامرأة غير سوية، وأطلق أقذع الأوصاف عني في وسائل اعلامه. كانت حرب قذرة لكسر إرادتي، لكن ردة فعل الشعب اليمني خيبت توقعات نظام الديكتاتور، فكل اعتداء تعرضت له سواء كصحفية أو مدافعة عن حقوق الإنسان او كثائرة جعل الناس يلتفون حولي أكثر فأكثر ويعتقدون بأني لم أكن اخدعهم، بل أضحي من أجلهم.

 

لقد آمن بي الشعب اليمني ومنحني ثقته، آمن بي حين قلت لهم "أنا هنا" من أجلكم، وحين منحت صوتي وضحيتُ من أجل التعبير عن حقوقهم والدفاع عنها، منحوني ثقتهم. حينما اختطفوني واعتقلوني خرج اليمنيون بمختلف مشاربهم إلى الشوارع رافعين صوري، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يرفعون فيها صورة امرأة، ومنذ ذلك الحين وهم يدعونني بأم الثورة.

 

* ما الذي يمكن ان تطلعينا عليه فيما يتعلق بالوضع الحالي في اليمن؟

 

نواجه انقلابا فاشيا من قبل ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، واحتلال لأجزاء من البلاد وحصار وحرب من قبل السعودية والامارات. لقد قمنا بثورة عظيمة ضد الدكتاتور علي عبدالله صالح وأجبرناه على الاستقالة من خلال ثورتنا السلمية في عام ٢٠١١. كما أجرينا حوارا وطنيا عظيما وصغنا مسودة دستور ديمقراطي كانت بالفعل مسودة عظيمة لبت كل أهدافنا لإعادة بناء اليمن: حقوق الإنسان، حكم القانون، حقوق المرأة وحقوق الطفل. وضعنا كل أحلامنا وأهدافنا داخل تلك المسودة من أجل إعادة بناء اليمن.

 

لكن للأسف وقبل الذهاب للاستفتاء على الدستور واجراء الانتخابات حدث بعد ذلك انقلاب في 2014 نفذه الحوثي بدعم من  المخلوع علي صالح وبمساندة إيران، حيث اسقطوا العاصمة واحتلوا بعض المدن، ثم بعد شهور جاءت حرب أخرى بقيادة السعودية والامارات، وكان هذا نوع آخر من الثورة المضادة على ثورتنا العظيمة. هذا فضلا عن الكارثة الانسانية انتشار الجوع والامراض بسبب الانقلاب وبسبب الحرب. كلا الطرفين، الحوثي وإيران من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى، يتحاربان في اليمن نعم، لكنهما في نفس الوقت يقودان ثورة مضادة في اليمن، لا يريدان لنا النجاح ولا يريدان الحرية والديمقراطية لليمن ولا لأي دولة في المنطقة.

 

إننا في دول الربيع العربي، نواجه ثورة مضادة، حيث تعمل الانظمة السابقة والمتضررين من التغيير العودة للحكم، وتنشر الفوضى والدمار بدعم من أنظمة اقليمية مستبدة وهي الامارات والسعودية من جهة وايران من جهة اخرى.

 

كل ثورة عظيمة تتبعها ثورة مضادة عنيفة تحاول تدمير الثورة الأم والانقضاض على مكتسباتها، لكن النصر في الاخير دوما ما يكون حليف الشعوب المؤمنة بقضيتها المصممة على النصر مهما بلغت كلفة التضحيات. قدرنا أن ننتصر، ووعدنا ان نقيم دولة الحق والقانون، لم تستسلم ولن نستسلم. سيأتي الصباح الذي نحلم به.

 

- كان ولي عهد المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان في واشنطن الأسبوع الماضي، في محاولة لحشد الاستثمار في بلاده، لقد حصل على إعلام جيد لظهوره بموقف أكثر ليبرالية حول حقوق المرأة السعودية، كما حصل على بعض التغطية الإعلامية المختلطة لحبسه 380 أميراً ورجال أعمال ووزراء سابقين بما في ذلك 11 من أقاربه في فندق ريتز كارلتون في الرياض، كانت أول محطة له هنا هي العشاء مع صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، هذا الذي وجدته أنا مثيرًا للاهتمام، كوشنر الذي كُلف بإيجاد سلام في الشرق الأوسط تفاوض على صفقة الأسلحة التي أبرمتها الولايات المتحدة مؤخراً مع المملكة العربية السعودية.

 

سأتحدث عن رأيي بمحمد بن سلمان فيما يخص موقفه من بلدي اليمن، ولن أخوض في الشأن السعودي لان مايعنيني الآن هو حرب السعودية والامارات على اليمن. محمد بن سلمان ومعه محمد بن زايد ولي عهد الامارات يخوضان حربا مدمرة ضد بلدي ويحاصراها برا وجوا وبحرا، ويرتكبان عددا لا يحصى من المجازر، كل ذلك بحجة إعادة الشرعية، وهي حجة كاذبه لأنه عوضاً عن إعادة الشرعية وبسط نفوذ الدولة فإن السعودية والامارات تمنعان عودة الرئيس والحكومة الى المناطق المحررة وتبقيانهم فيما يشبه الاقامة الجبرية في الرياض، وتحتلان اجزاء هامة من البلاد، وتدعمان ميليشيات تابعة لهما ولا تتبع الحكومة الشرعية لتنفذ اجندة خاصة.

 

العدوان الإماراتي السعودي المحتل لليمن واضح جداً، لقد خانوا اليمنيين واستغلوا انقلاب الحوثي المدعوم من إيران لفرض احتلال قبيح. وانا هنا ادعو الى جهد دولي لايقاف حرب السعودية والامارات على اليمن ورفع الحصار وتعويض اليمن عما لحقه من اضرار فادحة.

 

كما ادعو الحوثيين الى ايقاف الانقلاب وتسليم الاسلحة للدولة هم وجميع الجماعات المسلحة وتحويل انفسهم الى حزب سياسي ثم البدء بالاستفتاء على مسودة الدستور التي سبق وان توافق عليها اليمنيون واجراء الانتخابات المختلفة بناء عليها.

 

- كصحفية، هل يخيفك ما هو سائد اليوم من عدم الثقة بوسائل الاعلام؟

 

نعم هو أمر مخيف جدا، وسائل الإعلام تعلم الجمهور بما يدور من احداث، وتوفر فرصة لاستعراض الآراء المختلفة أمام الناس، عندما تسود عدم الثقة بوسائل الإعلام، فهذا يعني أن هذه الوسائل لم تعد تقم بوظيفتها، وهذا يعني أن هناك نظام سياسي قمعي لا يريد أن يعترف بحق الناس في معرفة الحقيقة والاستماع لوجهات نظر غير التي يعتنقها. إن عدم الثقة بوسائل الإعلام سوف يساهم في انتشار الشائعات والاخبار المضللة التي يتم طبخها في غرف سوداء وبثها في مواقع وصحف لا تلتزم بأي معايير أو اخلاقيات الصحافة.     

 

كثير من البلدان كما يبدو في جميع أنحاء العالم اليوم تنزلق نحو الفاشية الجديدة، هناك حنين للفاشية. هذا ما يحدث في العديد من الدول، في أوربا وفي أميركا الجنوبية- هناك في تشيلي من يتحدث اليوم عن عظمة الدكتاتور بينوشيه- من الصعب أن لا يحس الإنسان بالخوف في هكذا أجواء. وأشعر بقلق بالغ حين تتعرض الصحافة وحرية التعبير بشكل عام للازدراء من قبل رئيس الولايات المتحدة، فهذا يمثل انتهاكا خطيرا لحرية التعبير، وتهديدا لكل الجهود التي نبذلها الآن ضد أولئك المستبدين والقوى التي تساندهم، يقولون أنظروا ماذا يحدث في الولايات المتحدة.

 

* كان هناك الكثير من التخويف المرتبط بالأعداد المتزايدة من اللاجئين في الدول الغربية، وعلى الرغم من حقيقة أنه بين 2008-2016... كان هناك تقريباً ضعف عدد الحوادث الإرهابية من قبل المتطرفين اليمينيين الأميركيين غالبيتهم من الرجال البيض، كما هي من قبل الإسلاميين في الولايات المتحدة.

 

للأسف الشديد تخلى الجميع وخصوصا الحكومات الغربية عن واجباتهم تجاه اللاجئين الذين لم يكونوا يودون الخروج من أوطانهم لولا التوحش الذي تتسم به الأنظمة القمعية التي تم التواطؤ معها كما ذكرت آنفا. لقد تم التخلي عن المدنيين في دول مثل: سوريا واليمن وليبيا والعراق بحيث صاروا وحيدين تحت رحمة نيران المستبدين والإرهابيين، وهذا أمر لم يكن ليحدث لو كان هناك أمم متحدة فاعلة ومجتمع دولي حي.

 

إن أفضل حل لمشكلة اللاجئين من وجهة نظري هو التخلص من المستبدين، إذا ارادت أوربا مثلا أن ترى انخفاضا في عدد طالبي اللجوء اليها، فما عليها إلا أن تساعد الشعوب العربية في التخلص من الانظمة القمعية مثل نظام بشار الأسد. محاولة الربط بين تدفق اللاجئين وازياد العمليات الإرهابية هو أمر تعسفي، فالعدد الأكبر من العمليات الإرهابية يحصل في المنطقة العربية، هذا الإرهاب الذي يغذي الأنظمة القمعية ويعادي الربيع العربي. الإرهاب والاستبداد وجهان لعملة واحدة، كل منهما يغذي الآخر، علينا الانتباه لذلك.        

 

ثم يأتي بعد ذلك من يضعنا بين خيارين: إما الاستبداد او الإرهاب. أي خيار مجنون هذا؟! لا خيار غير الحرية والكرامة والديمقراطية وحكم القانون والسلام، وهم ما سنحققه يوما ما. 

 

* أنت معروفة بدفاعك عن الاحتجاج السلمي، وإلقاء السلاح، وهو الأمر الذي يظهر قليلاً في الولايات الآن مع مسيرة من أجل حياتنا تدعو إلى تشديد قانون الأسلحة.

 

السلاح في المجتمع اليمني كان يشكل تحديا كبيرا، فالشعب اليمني شعب مسلح يملك ما يقارب 60 مليون قطعة سلاح. (كجزء من واجبنا)، دعوتُ الشعب اليمني إلى ترك سلاحه والخروج الى الشوارع حاملين الورود بدلا من ذلك وأنهم سيرون بأم أعينهم كيف أن اللاعنف أقل تكلفة وأكثر ضمانا لتحقيق الأهداف. كان لا أحد يصدق أن بإمكان هذا الشعب أن يقوم بثورة سلمية، لازلت أتذكر كلمات بعض الأصدقاء والسفراء الذين زاروني عقب اطلاق سراحي وقالوا لي بأن الناس لن يصغوا لي في أي عمل سلمي لكنني اصررت على موقفي وقلت لهم سيأتي اليوم الذي ترون فيه ملايين اليمنيين يناضلون سلميا ويسقطون نظام صالح سلميا.

 

خرجت الملايين إلى الشوارع في ١٨ محافظة تحمل الورود، تهتف بذات الشعار الذي كنت أهتف به، وترفع ذات العلم الذي كنت ارفعه وتواجه العنف بكل أشكاله بالسلمية والورود في أيديهم، وعلى الرغم من كل القمع والعنف الذي انتهجه صالح، إلا أننا لم نحد عن نهجنا السلمي أبدا، بعد ١٠ أشهر من المظاهرات اليومية صباح ومساء والنوم في الخيم والعراء، لم نعد إلى منازلنا حتى اسقطنا الديكتاتور وارغمناه على التنحي.

 

* ماذا تقولين للذين يقولون بان الربيع العربي لم يحقق شيئاً؟

 

للأسف هم لا يعلمون بما فيه الكفاية، إما لأنهم جاهلون او أنهم لايريدوننا ان ننتصر في هذه المعركة، ومع ذلك يوجد كثير من المؤيدين والمؤمنين بقضيتنا وانتصارنا. بالنسبة لهؤلاء الجهلة أو أولئك الذين فقدوا الأمل فنقول لهم لماذا فقدتم الأمل؟ نحن من يعيش تحت التهديد ونتعرض لكل هذه الانتهاكات ولكل هذا الضغط ومع ذلك لم نفقد الأمل، ولا زلنا متمسكين بأحلامنا وكفاحنا وإرادتنا من أجل نيل الحرية. لماذا تفقدون الأمل؟ لماذا تنسون تاريخكم؟ حين أتحدث في لقاءاتي وخطاباتي دوما ما أوجه سؤالا للناس في الولايات المتحدة وفي الغرب: كيف وصلتم الى هذه اللحظة من الحرية ومن الديمقراطية؟ هل وصلتم إليها هكذا بأنفسكم، هكذا فجأة ودون عناء!، أم أنه كان هناك مشوار طويل للغاية من الكفاح قامت به الأجيال السابقة؟ وقدر كبير من التضحيات من الدماء والآلام والدموع التي قدمها أجدادكم وجداتكم في سبيل حريتكم وسعادتكم؟! فمن دون نضال وتضحيات الآباء المؤسسين ما كان لكم هذا الدستور العظيم، ولما عشتم في ازدهار ولما كانت هذه الديمقراطية.

 

نحن اليوم نواجه كل هذا الألم ونقدم كل هذه التضحيات من أجل الأجيال القادمة، لم نفشل، بالعكس أنجزنا وحققنا أول هدف من أهداف الثورة، واسقطنا حكاما دكتاتوريين حكمونا لعقود من الزمن، لعقود من الظلم والفساد والخوف.

 

نعم قد يكون الربيع العربي تعثر بسبب الثورات المضادة والانقلابات العسكرية، وصمت أو تواطؤ المجتمع الدولي، لكنه لم يمت، فهو مستمر وسيعاود الكرة مرات ومرات طالما أن هناك دولة الاستبداد والفساد والمحسوبية والفشل، وحتى تنعم شعوبنا بالحياة الحرة والكريمة وسوف تنعم بها ذات يوم لن يطول انتظاره.

 

إن المجتمع الدولي هو من خذل الربيع العربي، وقد كان ذلك واضحا وجليا في مصر وذلك حينما دعموا الانقلاب العسكري على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، وكان واضحا جدا في اليمن حين لم يحركوا ساكنا أمام كل ما يجري من انتهاكات من قبل الحوثيين وايران من جهة والسعودية والامارات من جهة أخرى.

 

وهو واضح أيضا في غياب المجتمع الدولي عما يجري من قتل يومي من قبل بشار الأسد الذي قتل اكثر نصف مليون إنسان وهجر الملايين لمجرد أنهم طالبوا بالحرية. لكنني أقول لهم بأنهم مخطئون لأنهم سيخسرون قيمهم ومعها المستقبل. عليهم ان يتحالفوا مع الشعوب لا مع المستبدين، فالمستبدون سيرحلون يوما ما ولن يبقى سوى الشعوب الثائرة المناضلة من اجل الحرية والعدالة والديمقراطية. ومهما تخلى عنا المجتمع الدولي، فإننا اخترنا طريق الحرية، هذا هو طريقنا الوحيد لن نختار غيره وبه وحده سننتصر.

 

* هل من الصعب يبقى المرء متفائلا؟

 

عليهم أن يظلوا دوما مؤمنين بأنفسهم وأنهم قادرون على التغيير، فالتغيير عملية حتمية لا تتوقف، والمستبدون ومن يقف وراءهم من الدول لن يستمروا الى الأبد. ربما سيستمر المستبدون في انتهاكاتهم لكنهم في النهاية سوف يخسروا ويرحلوا، ربما تتفشى العنصرية والكراهية لكنهما في النهاية ستختفيان. لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام لأننا في القرن الواحد والعشرين، عصر الانترنت، والثورة المعلوماتية، عصر وسائل التواصل الاجتماعي، القرية العالمية الواحدة.

 

خذي على سبيل المثال حجم التضامن والرفض من قبل الشعب الاميركي لقرارات ترامب، تأملي خروج مئات الالاف من الاميركيين المنددين والرافضين لسياساته، أنظري إلى المظاهرات النسوية في هذا السياق، مظاهرات الطلاب الرافضة للسلاح.

 

هل هذا أمر بسيط! بالطبع لا. حين تقول الشعوب "لا" للظلم، لا أحد يستطيع كسرها، حين تعي الشعوب ما يجب على الانظمة فعله، وحين تطالبها ولا تيأس فاعلمي أن العالم باتجاه أن يكون عالما أفضل. بالطبع أنا متفائلة. نعم أنا حزينة لكل هذا الدمار والذي لم نكن سببه، لكنني متفائلة، بل وموقنة بأن المستقبل سيكون عظيما كما أردناه.

في عام 2011، وفي سن 32، أصبحت توكل كرمان أول يمنية، وأول امرأة عربية، وثاني امرأة مسلمة تفوز بجائزة نوبل للسلام، وكانت بذلك أصغر حائزة على جائزة نوبل للسلام في ذلك الوقت.

كانت توكل كرمان إحدى القيادات النسائية القليلة في الشرق الأوسط، وقد أسست منظمة "صحفيات بلا قيود"، وفي أوائل عهدها نظمت احتجاجات أسبوعية في العاصمة اليمنية (صنعاء)، وركزت على القمع الحكومي، ودعت للتحقيق في الفساد، وأشكال أخرى من الظلم الإجتماعي والقانوني، و تم اختطافها وسجنها ومهاجمتها وتهديدها بسبب ما تقول.

 

لقراءة الحوار كاملا من موقع مجلة VOGUE  العالمية اضغط (هنــــــــــــــــــــــــــــــا)