English

أزمة الروهينجا تكشف أن التضامن الإنساني خدعة كبرى

بقلم توكل كرمان : لم يعد أحد لديه وجهة نظر مختلفة إزاء ما يحدث في ميانمار، منظمة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والعواصم الدولية متفقون جميعا على أن الحرب التي يشنها الجيش هناك على مسلمي الروهينغيا تعد نموذجا للتطهير العرقي والقتل على أسس عنصرية.بحسب تقارير دولية فقد بلغ عدد المهجرين من سكان إقليم راكان الذي يخضع لتدابير عسكرية حوالي 600,000 الف لاجيء إلى منتصف شهر أكتوبر.

 

المأساة تزداد تفاقما نتيجة تعنت حكومة ميانمار واصرارها على المضي في سياساتها الاقصائية من جهة، وعدم اكتراث دول العالم بالقدر الملائم لما يحدث هناك من جهة أخرى.
التضامن الانساني
أخطر ما تجسده أزمة الروهينغيا أنها تكشف أن التضامن الإنساني ربما يكون مجرد خدعة كبرى.
الذين ينادون ويناضلون من أجل الحريات وحقوق الإنسان بغض النظر عن اعتبارات العرق أو الدين أو اللون أو الأيديولوجيا -وأنا واحدة منهم- يواجهون حيرة شديدة، لماذا يحدث ما يحدث؟، لماذا لا يتم وقف هذه المحرقة الإنسانية التي تحدث أمام اعيننا؟، هل هناك معايير غير معروفة لإبداء التضامن الإنساني والدعم اللازم لرفع الظلم عن هذا أو ذاك؟.

أسئلة أخشى القول أنها اجاباتها ستكون مرعبة، هل التضامن الإنساني حق للاقوياء والأغنياء والذين لديهم نفوذ سياسي أو اقتصادي على الساحة الدولية؟

هناك عدد كبير بدأ يقتنع بأن التضامن الإنساني لا يشمل المسلمين، وبغض النظر عن صحة هذا الرأي فإنه يشير إلى الشكوك التي باتت تتحكم في قناعات البعض وهذا لا يعد أمرا جيد كما أعتقد. 

غير ان هذه ليست الخسارة الوحيدة الناتجة عن مأساة الروهينغيا، فالنظام في ميانمار، الذي يرتكب انتهاكات مروعة كل يوم، يجد حلفاء يدافعون عنه. إن مسؤولية نظام ميانمار عن إبادة الروهينغيا واضحة، وأن تصريحاته التي تنكر ما يحدث هي كاذبة.

مضحية بتاريخها النضالي في وجه الاستبداد،تمثل أونغ سان سو كي، رئيسة حكومة ميانمار والحاصلة على جائزة نوبل للسلام،نموذجا للعطب الذي قد يصيب شخص -ما- كنا نظن أنه سيظل محافظا على مبادئه مهما حدث.

من المؤسف حقا، أن تتحدى سوكي الحقيقة، وتنكر بثقة لا تحسد عليها عنف أو تطهير عرقي، ما جعل منظمة العفو الدولية تصنف تأكيدات سو كي بأنها "خليط من الأكاذيب وإلقاء اللوم على الضحية". 

كان بإمكان سوكي أن تنتصر لحقوق الإنسان ولضميرها في الحد الأدنى، لكنها فضلت الانتصار لقوميتها وللرؤية العسكرية القائمة على الإقصاء والتهميش وسحق التنوع، يا لها من نهاية غير جيدة، لامرأة كان يعول عليها الكثير.

إن مسؤولية نظام وحكومة ميانمار تجاه ما تتعرض له الروهينغيا من ابادة هي مسؤولية واضحة، لذا فإن البيانات التي تصدر عنهما بغرض إنكار ما يحدث، نوع من الاحتيال.

ذريعة الإرهاب 

أكدت مأساة الروهينغيا ما كنا نقوله بشأن استغلال موضوع الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية، وسحق المعارضين والخصوم السياسيين في الدول التي تحكم من قبل أنظمة ديكتاتورية.
لقد شاهد العالم كيف يتم تدمير القرى وقتل السكان وتهجيرهم، هل هذه الإجراءات والانتهاكات الفظيعة في سياق الحرب ضد الارهاب، من يمكنه قبول هذه التبريرات؟ باعتقادي لا أحد.

الحقيقة أن استغلال الإرهاب لقمع الخصوم وتمكين السلطات القمعية من توطيد أركانها موضوع قديم، وبات الجميع بإمكانه كشف هذه اللعبة القذرة. 

على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يكونوا شجعانا ويقوموا بما يجب لمنع استغلال الإرهاب بصورة سيئة، فالنظم الديكتاتورية يجب حرمانها من الاستفادة من قضية عادلة مثل محاربة الارهاب، ليس هذا وحسب، يجب البدء في محاسبة من يقوم بانتهاكات ضد حقوق الإنسان لأي سبب. 

مكافحة العنصرية

تتوالى الدعوات المطالبة بوقف الأعمال العسكرية ضد سكان الروهينغيا، هذا التحرك يمكن وصفه بالايجابي وإن تأخرت كثيرا، إن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي أبدا.

على الرغم من أن النظام في ميانمار على الارجح لن يستجيب لمثل هذه الدعوات ما لم يكن هناك موقف دولي موحد ضد ما يحدث من جرائم ضد الإنسانية، فالعسكر في ميانمار ما يزالون أصحاب الكلمة العليا هناك، وهؤلاء لا يرون في انتهاكات حقوق الروهينغيا عملا مدانا.

لقد كشفت مأساة الروهينغيا كيف تقوم السياسات الداخلية لدولة عضو في الامم المتحدة على العنصرية والتمييز العرقي والديني، لذا يجب تكثيف الضغط على نظام ميانمار لكي تتم إصلاحات حقيقية في هذا المسار. 
لقد حان الوقت لاتخاذ موقف حازم بشأن ميانمار، ولا يجب مهادنة دولة تشجع سياسات الفصل العنصري. لقد حان الوقت لوقف مأساة إنسانية استمرت لعقود.

قبل عدة أيام، تم الاعلان عن اتفاق بين بنجلاديش وميانمار يضمن اعادة مئات الآلاف من الروهينغيا المسلمين الذين واجهوا حملة اضطهاد وعملية تهجير قسري من قبل جيش ميانمار خلال شهرين من الآن، لكن هذا الاتفاق لا يكفي حتى لو تم تنفيذه في تجاوز ما حدث، وكأن شيئا لم يكن.

صحيح أن عودة مسلمي الروهينغيا إلى ديارهم وقراهم تعد مسألة مهمة في إنهاء هذه المأساة، لكن ما هي الضمانات التي ستقدمها حكومة ميانمار لعدم تكرار ما حصل؟. 

ليكن هذا الاتفاق بداية لإنهاء التمييز المقيت ضد مسلمي الروهينغيا الذين يجب أن يحصلوا على حقوقهم السياسية والمدنية بوصفهم مواطنين ينتمون إلى ميانمار، 

عاش سكان الروهينغيا طويلا دون ان يعرفوا معنى الإنسانية والعدالة، كم سيكون عظيما لو وجدوا شيئا من ذلك الان. علينا العمل من أجل تحقيق ذلك بكل قوة، ليس من أجلهم وحسب، ولكن من أجلنا جميعا.