English

توكل كرمان: تغطية وسائل الإعلام لثورات الربيع العربي اتسمت بالتردد والتجاهل

قالت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان إن تغطية وسائل الإعلام بشكل عام مع ثورات الربيع العربي اتسمت بالتردد والتجاهل، لافتة إلى أن قنوات عريقة ذات مصداقية لدى الجمهور العربي لم تواكب تحركات الشارع العربي منذ البداية.

قالت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان إن تغطية وسائل الإعلام بشكل عام مع ثورات الربيع العربي اتسمت بالتردد والتجاهل، لافتة إلى أن قنوات عريقة ذات مصداقية لدى الجمهور العربي لم تواكب تحركات الشارع العربي منذ البداية.

 

وأوضحت توكل كرمان في صفحتها على موقع التوصل الاجتماعي "فيس بوك" ان الصحافة العربية بكل أنواعها لعبت دورا سلبيا في توثيق التغيير "فقد قامت -ما عدا استثناءات قليلة- بترويج دعاوى الأنظمة التي وصفت المتظاهرين السلميين بأنهم ينفذون مؤامرة خارجية، وتحديدا أمريكية صهيونية، لضرب الاستقرار والأمن، وتفتيت العالم العربي".

وأضافت كرمان "مع تصاعد الثورات المضادة عادت هذه الدعاوى إلى وسائل الإعلام العامة وللقنوات والصحف المملوكة للمنتفدين من رجال الأعمال والتجار المرتبطين بمصالح مع القوى المعادية للربيع، مشيرة إلى أن ذلك يحدث تشوهات كثيرة في مسيرة توثيق التغيير، إذ عمدت هذه الوسائل التي تملك المال والامكانيات لكتابة تاريخ مزيف للثورة، بل وصل الأمر إلى اختراع ثورات جديدة فيما هي انقلابات مسلحة بعضها اتخذ طابعا ميليشياويا مثل حدث في اليمن، وبعضها اتخذ طابعا عسكريا مثلما حصل في مصر.

واعتبرت كرمان أن الحديث عن تغطية جيدة وملائمة في العالم العربي خلال السنوات الماضية التي شهدت حراكا سياسيا واجتماعيا وثوريا لا يمكن الاعتداد به، من دون ذكر ما قامت به مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك، التوتير" من تحريض على التغيير ومواكبة التغيير لحظة بلحظة ومن دون تردد أو خوف.


وفيما يلي نص المنشور:

تعد الصحافة أحد ركائز الدول الديمقراطية، كونها تساعد الناس في معرفة وتفسير ما يحدث حولهم، وكونها تضمن لهم حق التعبير عن قضاياهم وآرائهم بكل حرية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الصحافة تساهم في تشكيل الرأي العام، وفي مراقبة إداء سلطات الدولة ومؤسساتها والاحزاب السياسية وحتى الشخصيات العامة.

لكن الصورة ليست وردية تماما، فالصحافة ليست كائنا غير قابل للاختراق أو الضعف، ومن هنا يمكن تفسير انحراف بعض وسائل الإعلام من خلال ممارسة التضليل والخداع والدعاية السوداء، لكن ما يميز الدول الديمقراطية أن هناك آليات متعددة لتصحيح هذه الانحرافات، أو حتى الاعتراض عليها، وهذا ما ليس موجودا في الدول غير الديمقراطية.

في العالم العربي الذي لا يزال يتلمس طريقه نحو الديمقراطية، لا تحظى الصحافة بقدر كافٍ من الاحترام، فالجميع يتشكك في دورها، وفي نواياها، لكن الذي يثير الاستغراب أن تكون الصحافة بهذه الدونية لدى الأنظمة العربية السلطوية التي أشرفت على تأميمها لتصير بعد ذلك بوقا رخيصا لها.

لقد عاشت الصحافة العربية على مدى العقود الماضية وضعا لا يليق بها، فقد اقتصر دورها على الترويج للحاكم سواء كان مصيبا أو مخطئا، وهو الأمر الذي افقدها ثقة الناس واهتمامهم. 

وعندما فاجأت ثورات الربيع العربي العالم، كانت الصحافة من ضمن المتفاجئين، نتيجة تخليها عن دورها في رصد هموم الناس ومعاناتهم، وتحليل مؤشرات الاحتقان السياسي والمجتمعي بشكل حقيقي ومعبر عن الواقع. 

لقد اتسمت تغطية وسائل الإعلام بشكل عام مع ثورات الربيع العربي بالتردد والتجاهل، إلى درجة أن التلفزيونات والاذاعات الرسمية مثلا في دولة مثل اليمن لم تنشر تقرير واحد عن مئات الالاف الذين كانوا معتصمين بشكل يومي في ساحات الحرية والتغيير في معظم مناطق البلاد. 

بل، إن قنوات عريقة ذات مصداقية لدى الجمهور العربي لم تواكب تحركات الشارع العربي منذ البداية، وعلى سبيل المثال، فإن قناة الجزيرة التي ستعلب دورا مهما في تغطية ثورات الربيع لاحقا، ظلت تنظر إلى الجموع البشرية التي خرجت للشارع في اليمن للمطالبة بإسقاط النظام على أنها احتجاجات مطلبية عادية، وقد أرسلت إلى قناة الجزيرة برسالة أوضح لهم حقيقة ما يحدث. وفي مصر، تعاملت قناة الجزيرة مع مظاهرات 25 يناير بعدم اكتراث حتى أن خروج عدد كبير من المصريين للتظاهر في بلد يحكمه قانون الطوارئ لم يحظى بأهمية، فقد كان ترتيبه متأخرا في نشراتها.

لقد تعمدت أن أضرب مثالا بالجزيرة، لأقول أن قناة مثل الجزيرة عرفت بقربها للشارع العربي ولهمومه ظهرت مترددة في الأيام الأولى للربيع، فما بالكم بالقنوات والصحف الأخرى التي اعتمدت سياسات التجاهل والتجهيل في تناول مختلف القضايا التي تهم المواطن العربي.

والحقيقة أن الصحافة العربية بكل أنواعها لعبت دورا سلبيا في توثيق التغيير، فقد قامت ما عدا استثناءات قليلة بترويج دعاوى الأنظمة التي وصفت المتظاهرين السلميين بأنهم ينفذون مؤامرة خارجية، وتحديدا أمريكية صهيونية، لضرب الاستقرار والأمن، وتفتيت العالم العربي.

مع تصاعد الثورات المضادة عادت هذه الدعاوى إلى وسائل الإعلام العامة وللقنوات والصحف المملوكة للمنتفدين من رجال الأعمال والتجار المرتبطين بمصالح مع القوى المعادية للربيع، وهذا الأمر يحدث تشوهات كثيرة في مسيرة توثيق التغيير، إذ عمدت هذه الوسائل التي تملك المال والامكانيات لكتابة تاريخ مزيف للثورة، بل وصل الأمر، إلى اختراع ثورات جديدة، فيما هي انقلابات مسلحة، بعضها اتخذ طابعا ميليشياويا مثل حدث في اليمن، وبعضها اتخذ طابعا عسكريا مثلما حصل في مصر. 
هنا، لا يجب أن يفهم من كلامي، أي نية للتقليل من دور بعض القنوات العربية والصحف الجادة التي اختارت الوقوف مع تطلعات الشعوب في الحرية والانعتاق من الاستبداد، والتي انتجت كثير من الافلام والقصص والتحقيقات والمقالات في هذا السياق.

إن الحديث عن تغطية جيدة وملائمة في العالم العربي خلال السنوات الماضية التي شهدت حراكا سياسيا واجتماعيا وثوريا لا يمكن الاعتداد به، من دون ذكر ما قامت به مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك، التوتير" من تحريض على التغيير ومواكبة التغيير لحظة بلحظة ومن دون تردد أو خوف.

لقد تحولت بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصدر للأخبار والتفسير، وعلى الرغم أن مثل هذا الأمر ليس امرا جيدا، كون مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تكون مصادر موثوقة للأخبار، إلا أنه يمكن أن تكون مصادر جيدة لتوثيق ليوميات التغيير، إذ يمكن الخلوص من خلال صفحات كثير من الناشطين الذين شاركوا في الثورة بشجاعة ونزاهة إلى رواية متماسكة حول كثير من الأحداث التي رافقت الربيع العربي.

لقد حققت صحافة المواطن في العالم العربي قفزة كبيرة على مستوى العالم، فكثير من الفيديوهات والصور التي تبث في وسائل الاعلام الكبرى في المنطقة هي أصلا نتاج مجهود أشخاص لا يعملون في الصحافة، وإنما يقومون بما يقومون به ايمانا منهم بضرورة توثيق الاحداث الراهنة والتي تجد وسائل الاعلام صعوبة في تغطيتها.

إن عملية توثيق مسيرة التغيير والاحداث بشكل عام يتطلب مجهود أوسع من كتيبة الصحفيين إذ جاز لي التعبير، فهذه مهمة المؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة أيضا، غير أن هذا الأمر يحتاج لمصداقية في التناول، ولعدم الخضوع للرغبات الشخصية، ما لم، فإن تاريخ التغيير سيتعرض لعملية تزييف كبيرة، لن تساعدنا في فهم ماذا حدث، وما سوف يحدث.