English

توكّل كرمان.. نوبل للسلام في “جمعة الوفاء”...رمز ناعم

بقلم : محمد سيف حيدر

عندما أعلن النرويجي ثوربجورن جاغلاند، رئيس لجنة جائزة نوبل، عن فوز الناشطة اليمنية توكّل عبد السلام كرمان بجائزة نوبل للسلام للعام 2011، لم يستوعب كثير من اليمنيين الخبر في البداية، وظنوا أنه مجرد شائعة سرعان ما تنظم سريعاً إلى ركام الشائعات التي يعج بها بلدهم الذي يمرّ بأزمة سياسية وأمنية هي الأخطر والأكثر وطأة في تاريخه الحديث.

لكن ما أن تأكد الخبر حتى أخذوا يتبادلون التهاني بعفوية وابتهاج كبيرين متجاوزين اختلافاتهم وصراعاتهم السياسية، وطغى مناخ مختلف على يوم الجمعة، “جمعة الوفاء للرئيس إبراهيم الحمدي”، الذي يحفل عادة بمظاهر الاستقطاب بين المناهضين لحكم الرئيس علي عبدالله صالح وبين المؤيدين له، وسادت البلاد أجواء من الحبور نتيجة هذا الفوز التاريخي وغير المتوقع لأول امرأة يمنية وعربية بهذه الجائزة الأهم عالمياً.

والمؤكد أن اختيار السيدة كرمان للفوز بجائزة نوبل للسلام، التي تعتبر الأرقى بين جوائز نوبل، لم يكن أمراً مفاجئاً للحائزة عليها ولمواطنيها المذهولين فحسب، بل كان مفاجئاً كذلك للعديد من المراقبين خارج اليمن، لاسيما وأن مسألة اختيار الفائزين طرحت هذه السنة معضلة حقيقية على لجنة نوبل النرويجية مع تسجيل مستوى قياسي من الترشيحات بلغ 241 منظمة وفرداً في قائمة ظلت طيّ الكتمان والسرية حتى لحظة الإعلان عن هوية الفائز/الفائزين بها، ما عقّد لعبة التوقعات هذه المرّة.

صورة مشرقة

ومهما يكن من أمر، فإن الصحفية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، توكّل كرمان، باتت تمثل إحدى الصور المُشرقة والإيجابية للمرأة اليمنية، كما أن تصدرها الباعث على الأمل للمشهد الإعلامي العالمي نتيجة فوزها بجائزة نوبل للسلام سيقود على نحو أو آخر إلى حصول تغيير منعش في الصورة النمطية التي كانت تروّج للمرأة اليمنية المنقّبة والأُمّية، والتي غالباً ما تعاني التمييز والاضطهاد في مجتمع تغلب عليه القيم الدينية والاجتماعية المحافِظة.

وتعد كرمان – وهي أم لثلاثة أبناء – قيادية بارزة في الثورة الشبابية الشعبية، وعضواً فاعلاً في كثير من النقابات والمنظمات الحقوقية والصحفية داخل اليمن وخارجها، وهي عضو مجلس شورى حزب التجمع اليمني للإصلاح وعضو ائتلاف الثورة اليمنية، ورئيسة منظمة صحفيات بلا قيود، وهي إحدى أبرز المدافعات عن حرية الصحافة وحقوق المرأة وحقوق الإنسان في اليمن. وقد برزت خلال الأشهر الماضية في ساحات الاحتجاجات اليمنية التي تدخل هذه الأيام شهرها التاسع، وكانت من أوائل الذين طالبوا بإسقاط نظام حكم الرئيس علي عبد الله صالح.

جرأة وصرامة

ولدت توكل عبد السلام كرمان في 7 فبراير/شباط 1979، من أسرة ريفية من منطقة مخلاف شرعب في محافظة تعز، وهي ابنة السياسي والقانوني عبد السلام خالد كرمان. وانتقلت مع أسرتها في وقت مبكر إلى العاصمة صنعاء تبعاً لعمل والدها، حيث درست هناك، وحصلت على بكالوريوس تجارة عام 1999 من جامعة العلوم والتكنولوجيا، كما حصلت على الماجستير في العلوم السياسية، ونالت دبلوم تربية من جامعة صنعاء، ودبلوم صحافة استقصائية من الولايات المتحدة الأميركية.

وفي الأثناء، شاركت كرمان في دورات خارجية أهمها دورة في التحقيق الصحافي من وزارة الخارجية الأمريكية، وفي حوار الأديان.. حوار الدين والمجتمع، وتحمل عدداً من العضويات في مؤسسات مدنية محلية وعالمية، أبرزها عضو نقابة الصحافيين اليمنيين وعضو اتحاد الصحافيين العرب وعضو اتحاد الصحافيين العالميين وعضو صحافيين لمناهضة الفساد (YEMENJAC) وعضو المنظمة الدولية للصحافة (IRE) وعضو مؤسس منتدى (WANA) لدول غرب آسيا وشمال إفريقيا وعضو منظمة الخط الأمامي FRONT LINE وعضو منظمة العفو الدولية.

وكانت كرمان في بدايات حياتها، قبل أن تصبح صحفية، خجولة وعضوا محافظا في حزب الإصلاح الإسلامي، وترتدي النقاب الأسود مثل كثير من اليمنيات. ولكنها بدأت بعد العمل في قضايا المرأة تدخل في مواجهات مع حزب الإصلاح حول دور المرأة مما أدى إلى انتقادات في الحزب وظلت ترتدي الحجاب، ولكنها ترتدي ملابس ملونة وتكشف وجهها.

في عام 2006 أسست توكل منظمة “صحفيات بلا قيود” في اليمن. وعرفت الناشطة اليمنية الشابة بشجاعتها وجرأتها ومطالبتها الصارمة بالإصلاحات السياسية في البلد، وكذلك بعملية الإصلاح والتجديد الديني، وقادت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حركة احتجاجات صغيرة الحجم والمطالب وقامت بالاعتصام كل يوم ثلاثاء، أمام مجلس الوزراء اليمني ومعها عدد قليل من الصحافيين والحقوقيين، حيث أطلقوا على ذلك المكان اسم “ساحة الحرية”، وكان كل ما ترفعه ومن معها من مطالب يتعلق بحالات فردية مثل قضية “شيخ الجعاشن” وهو شيخ قبلي متهم باضطهاد وتشريد عدد من الأسر التي تدين بالطاعة والولاء له، أو الاعتصام مع صحافي اعتقلته الأجهزة الأمنية بسبب قضايا أو تهم معينة. وتقديراً لجهودها تلك، كرمتها السفارة الأمريكية لشجاعتها ومنحتها جائزة الشجاعة.

 

 

الربيع العربي

 

 

وما أن وصلت رياح “الربيع العربي” إلى اليمن مطلع العام الحالي، حتى أصبحت توكل كرمان الشخصية النسائية الأكثر شهرة في البلاد، كونها تصدرت الحركة الشبابية الاحتجاجية المطالبة بالتغيير وإسقاط النظام. وعلى مدى الأشهر الماضية التي شهدت تظاهرات حاشدة في مختلف المدن اليمنية، كانت توكل تظهر على منصة خشبية في ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء لتلقي خطابات وبيانات ينصت لها الآلاف من المتظاهرين، وبدل أن كانت في الاعتصامات المتواضعة كل ثلاثاء أمام مجلس الوزراء اليمني تنادي برحيل الشيخ القبلي “شيخ الجعاشن” أضحت تهتف ويردد معها الحاضرون: “إما أن ترحل أو ترحل، وخيار ثالث أن ترحل وخيار آخر أن ترحل”، والمقصود هنا ليس شيخ الجعاشن، وإنما الرئيس اليمني علي عبدالله صالح.

 

 

وبفوزها هذا الشهر بجائزة نوبل للسلام يمكن القول إن الحراك الديمقراطي المدني في اليمن قد أخذ زخماً إضافياً ودفعة أخرى للأمام في وقت صعب ودقيق للغاية، والأهم أن هذا الفوز أعطى شخصية السيدة كرمان هالة وحضوراً كبيرين استناداً إلى تزكية عالمية لا يمكن التهوين أو الحطّ من شأنها، الأمر الذي سيُمكّن الكثيرين من التعاطي معها من الآن وصاعداً باعتبارها “رمزاً ناعماً” لهذه الحركة الديمقراطية المدنية المتنامية، ومن ثمّ فإن هذا الحدث قد يُسهم في خلق حالة إجماع داخلي حول شخص كرمان، الناشطة والقيادية الشابة ضمن الأُطر التنظيمية والسياسية “للثورة السلمية”، وربما يؤهلها فعلياً وسريعاً لاعتلاء قمة الهرم القيادي المُعارِض في اليمن، على الأقل في هذه المرحلة الحساسة والحاسمة من عمر الحركة المناوئة لحكم الرئيس صالح.

 

 

وفازت بجائزة نوبل للسلام كل من كرمان ورئيسة ليبيريا إلين جونسون سيرليف ومواطنتها ليما جبووي التي حشدت المرأة الليبيرية ضد الحرب الأهلية. واعتبرت كرمان فوزها بالجائزة فوزا للناشطين المطالبين بالديمقراطية في اليمن ولكل ثورات الربيع العربي.

 

 

السيدة كرمان، وهي أول امرأة يمنية وعربية وثاني مُسلِمة بعد المحامية والحقوقية الإيرانية شيرين عبادي تُمنَح لها جائزة نوبل للسلام، أصبحت منذ هذه اللحظة، واتكاءً على السلطة المعنوية التلقائية والهائلة والمُستدامَة التي يكتسبها الفائزون بهذه الجائزة العالمية، فاعلاً محورياً لا يمكن تَجاهُل ما يتمتع به من حضورٍ طاغٍ في المجال العام، وتالياً ستحظى نشاطاتها في قضايا دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومناهضة منظومة الحكم السلطوي داخل اليمن وخارجه، بتعاطف عالمي ودعم دولي أثير ومتزايد.

 

 

وما يعزز موقفها أكثر أن شخصيتها، وهي المرأة الشابة المُحجّبة، باتت تحظى باحترام على نطاق واسع في مجتمع ذكوري تسوده القيم الريفية والدينية المُحافِظة، ناهيك عن أن انتمائها الحزبي إلى “التجمع اليمني للإصلاح” ذي المرجعية الإسلامية لم يمنعها من ممارسة دورها كناشطة حقوقية تدافع عن حقوق النساء والرجال على حدِّ سواء، وبالمثل فإنه – أي انتماؤها الحزبي ذاك – لم يحُل دون تقديم نفسها كسياسية معتدلة ومنفتحة على مختلف التيارات اليمنية، ولذا فإنه لا يمكن إدراجها عملياً ضمن جماعة النخبة المعارضة السياسية التقليدية والمُحافِظة في البلد، وهذا أمر له أهميته بالنسبة للمستقبل.

 

 

بيد أن هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ اليمن، لن يمنع بكل تأكيد الجدل الذي سيثار حول مسألة “استحقاقية” السيدة كرمان بالفوز بجائزة كبرى في مستوى وحجم “نوبل للسلام”، سيما في هذا التوقيت الحرِج الحافل بالاستقطاب السياسي والصراعات المُسلحة، فضلاً عن أنه سيُعيد إحياء الشكوك المعتادة والمتكررة التي تطال هذه الجائزة ذات المنشأ الغربي، وسيتكرر الحديث بوجه خاص حول “حقيقة” مراميها وأهدافها و”دقة” معاييرها التي ما انفك البعض يراها مُلغِزةً وغير مفهومة، في حين ينتقدها آخرون بشدة كونها جائزة مُسيّسة وغير مُنزّهة عن الأهواء، ويقود هذا إلى اتهام الجهة المانحة لها بالتحيّز لنمط أيديولوجي معين ولقيم محددة يُراد عولمتها وفرضها بشتى الطرق.

 

 

صانعة سلام

 

 

الحال أن تاريخ جائزة نوبل للسلام، تحديداً، يبقى محط نقاشات وتكهنات واتهامات عديدة نظراً للشخصيات المثيرة للجدل التي حازت على هذه الجائزة المُكرّسة أساساً بحسب رغبة مؤسسها النرويجي ألفرِد نوبل، كي تروّج مبدأ السلام العالمي بين البشر، وبحيث ترسخ هذه القيمة الفُضلى والسامية في مواجهة نزعات الاقتتال والحرب والدمار. وحالة اليمنية توكل كرمان لن تكون استثناءً حتماً، وإن كانت لها خصوصيتها المائزة نظراً للظروف المعقدة والسياق المُلتبِس الذي حازت فيه على هذه الجائزة، وما قد يترتب على ذلك من نتائج وآثار ستتضح شيئاً فشيئاً.

 

 

على أن ثمة أثر افتراضي يمكن تلمّسه والإشارة إليه، يرتبط بطبيعة الأداء المنوط والمُنتظر من أي شخصية تفوز بهذه الجائزة العالمية المُعتبَرة، فمن ناحية أولى، سيكون هذا الأداء محكوماً نظرياً بالمبدأ الذي قُدّمت من أجله مثل هذه الجائزة، وثانياً بالسلوك الذي يتوقعه مانحوها والمرحبين بها من الشخص الحاصل عليها، وثالثاً بما قد يقوله المرتابون والمتشككون حول الموضوع برمته.

 

 

ومن هنا، من المُرجّح أن تصبح السيدة كرمان التي قبلت الجائزة دون تحفّظ “مُقيّدة” في أدائها المستقبلي على نحو أو آخر، إذ تغدو محكومة بوظيفتها المُستحدَثة كـ “صانعة سلام”، وما يرتبط بذلك من سلوك “مخملي” يُنتَظر أن تغلُب عليه الحصافة والحذر النابعين من المسؤولية الملقاة على عاتق المرء الذي يقبل بأن يكون “نجماً” و”عَلَماً دولياً” يُشار له بالبَنان أينما حلّ وارتحل.

 

 

وإذا كان فوز كرمان بهذه الجائزة قد مثّل بارقة أمل بالنسبة للشعب اليمني الذي طالت معاناته كثيراً، إلا أن البعض لم يُخفِ خشيته من أن يتحول “السلام” الموعود في ثنايا هذه الجائزة إلى فأل عكسٍ على الوضع الراهن شديد الاحتقان في اليمن، فيكون هذا الحدث الباعث على الانتشاء والبهجة والزهو في نفوس معظم اليمنيين مجرد بوابة أخرى يدلفون عبرها إلى مشهد كابوسي مختلف يحكمه منطق “الحرب الأهلية”، والنتيجة: دوامةٌ لا تنتهي من الصراعات العنيفة والمدمرة يُصبِح فيها صُنعُ “السلام” فضلاً عن الحديث عنه، أمراً لا يعني توكل كرمان وحدها بل يُشاطِرها همّه كل اليمنيين بلا استثناء!

 

----------------

http://arb.majalla.com/2011/10/article55227875/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%91%D9%84-%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%81%D8%A7